الجزائر | حراك سياسي قوي بلغ حدّ التصادم وتصلب المواقف بين أحزاب السلطة في الجزائر، خاصة مع عودة مدير الديوان في رئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، إلى الواجهة بتسلمه زعامة حزب «التجمع الوطني الديموقراطي»، وهو الحزب الثاني في البلاد والشريك الاساسي للحزب الحاكم «جبهة التحرير الوطني». في المقابل، يرى تكتل المعارضة أن ما يحدث إعداد لسيناريو خلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «بعيداً عن إرادة الشعب»؛ فبين نفي السلطة وتأكيد المعارضة، تتجه البلاد نحو التصعيد.


وفتحت رسالة التهنئة التي وجهها نائب وزير الدفاع الجزائري إلى الحزب الحاكم، الذي يقوده عمار سعداني، الأبواب على مصاريعها أمام الحديث عن مختلف الملفات التي اكتنفها الغموض، خاصة ما يتعلق بمسألة توريث الحكم وخلافة الرئيس، وبتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة. إذ انتقدت أحزاب المعارضة الخطوة، وصرّحت بأن سيناريو ما بعد بوتفليقة انطلق بقيادة العسكر، لكن ما يزيد احتمالية صدقية ما تراه المعارضة هو عودة رئيس الحكومة الأسبق، أويحيى ــ المحسوب على الجناح العسكري ــ إلى الواجهة وتسلمه مهمات الحزب الشريك في الحكم (راجع العدد ٢٦١٣ في ١٢ حزيران).
وكان أويحيى قد قال إن الرئيس بوتفليقة باق في منصبه ولا انتخابات رئاسية مسبقة، وهو الحديث نفسه الذي ردّده زعيم «جبهة التحرير الوطني». ولكن مركز الدراسات الأميركي «ستراتفور إنتربرايز» قدّر في آخر تقرير أن عبدالعزيز بوتفليقة «سيرحل عن الحكم خلال الأشهر المقبلة».

عادت المواجهات بين الأمازيغ والعرب في شوارع غرداية

تأسيساً على كل ذلك، تعمل المعارضة بقوة، وخصوصاً أن علي بن فليس ــ المنافس الشرس للرئيس الحالي ــ عقد المؤتمر التأسيسي لحزبه «طلائع الحريات» وسط حضور كثيف من وزراء سابقين، بل حتى من أعضاء في الحزب الحاكم أعلنوا انضمامهم إلى التشكيلة المعارضة. وقال بن فليس، أمس، إن «النظام يعيش حالة ارتباك لأن نهايته اقتربت».
في هذا السياق، يقول ممثل «تنسيقية الانتقال الديموقراطي»، جيلالي سفيان، لـ«الأخبار»، إن «الجزائر تواجه أزمة سياسية وأخرى اقتصادية، لذلك فإن الصراعات تفرض على الجميع القيام بتغييرات... على المواطنين أن يدركوا الخطر، لأن النظام الحالي عاجز عن التسيير». وسار رئيس حزب «الإخوان المسلمين» ــ حركة مجتمع السلم ــ عبد الرزاق مقري في الاتجاه نفسه، إذ قال إنه «لا شك أنه يجري الترتيب لما بعد بوتفليقة، وخاصة بعد أن وضع الحزب الحاكم في الواجهة أمام الشعب ليتحمل مسؤولية الأداء الفاشل».
في المقابل، قال عمار سعداني إن الرئيس بوتفليقة سيكمل عهدته الرئاسية، معقباً: «لا مجال في دواليب السلطة لتوريث الحكم لشقيقه». ورغم هذا التأكيد، فإن ثمة ما يدور بين المعارضة وأحزاب الموالاة، إذ ظهرت على السطح بوادر أزمة بين حزبي السلطة، بعدما دعا أحمد أويحيى إلى تشكيل تحالف رئاسي لدعم بوتفليقة، وهي الدعوة التي رفضها الحزب الحاكم، وهنا قال سعداني: «جبهة التحرير الوطني تقود ولا تقاد، وهي الأغلبية في الساحة».
بعد ذلك، عقّب حزب أويحيى، عبر المتحدث الرسمي، الصديق شهاب، الذي قال لـ«الأخبار» إن حزبه لا يفكر في منطق «الجار ومجرور» أو «العربة والقطار»، مضيفاً أن تشكيلته السياسية تعمل من أجل تفعيل هيكل تنظيمي هدفه الأول والأخير دعم عبد العزيز بوتفليقة، وحكومة الوزير الأول عبد المالك سلال.
تعقيباً على ذلك، يشرح القيادي في «مجتمع السلم»، فاروق طيفور، لـ«الأخبار»، أن أحزاب السلطة «أحزاب مكلفة بمهمة لكنها أثبتت أنها تعيش حالة من الارتباك في مرحلة خطيرة تعيشها البلاد، لأنها تختلف حول أهم شيء اجتمعت من أجله، وهو الرئيس». كذلك قال عضو المكتب السياسي لحركة «الإصلاح الوطني»، فيلالي غويني، لـ«الأخبار»، إن تصريحات سعداني الأخيرة كشفت حالة إرباك تعيشها أحزاب السلطة، مبيناً أن «التحديات التي رفعتها المعارضة عجّلت بهذا المخاض».
إلى ذلك، سارعت السلطات إلى احتواء الوضع المتردي في منطقة غرداية، جنوب البلاد، التي شهدت تجدد المواجهات العنيفة بين الأمازيغ الإباضيين والعرب المالكيين، أدت إلى وفاة شخص وجرح أكثر من 10 آخرين، إذ اتجه مبعوث الحكومة عمار غول إلى المنطقة لعقد لقاء بين المشايخ والأعيان.
وعادت المواجهات بين الأمازيغ والعرب هناك رغم نشر نحو 10 آلاف شرطي ودركي في الشوارع الرئيسية لغرداية التي يقطنها 400 ألف نسمة بينهم 300 ألف من الأمازيغ، ما استدعى تدخل الأمن الذي استعمل الغازات المسيلة للدموع في تفريق المتخاصمين الذين يرجّح أن يكونوا قد اشتبكوا لأسباب عائلية أو تجارية كالعادة.