القاهرة | لا يبدو أن الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك ووصيف الرئيس بانتخابات الرئاسة عام 2012 ، قرر الاستجابة للضغوط السياسية من النظام المصري بالابتعاد عن المشهد السياسي بشكل كامل، مقابل عدم المساس به أو ملاحقته قضائياً، مع وجوده في الخارج حيث يقيم في الإمارات منذ أكثر من 3 سنوات بعدما غادر عقب ساعات قليلة من وصول الرئيس الإخواني محمد مرسي إلى السلطة في رحلة بدأت بأدائه العمرة، قبل أن يجبر على البقاء في الخارج بسبب ملاحقته قضائياً ووضع اسمه على قوائم ترقب الوصول.


ورغم براءة شفيق في عدة قضايا مالية اتهم فيها عن الفترة التي قضاها وزيراً للطيران في عهد مبارك والتي وصلت إلى 10 سنوات في الوزارة، إلا أن اسمه لا يزال على قوائم ترقب الوصول حتى الآن من دون سبب قانوني واضح.
استعدادات شفيق للعودة إلى القاهرة بعد سقوط «الإخوان» وتولي الرئيس المؤقت عدلي منصور السلطة في 3 يوليو 2013 جعلته يعلن مراراً وتكراراً أنه في طريقه للعودة قريباً مع انتهاء القضايا التي يحاكم على أساسها والتي قضت المحاكم المختلفة ببراءته منها، وأن قاضي التحقيق الذي باشر التحقيقات فيها تمت إحالته إلى منصب غير قضائي بعدما أدين بمخالفات في مباشرة عمله.

الفريق يبحث عن حصانة
برلمانية تقيه شر الملاحقات القضائية

رفض عودة شفيق المتصاعد من السلطات المصرية زاد بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي الترشح للانتخابات والاستقالة من منصب وزير الدفاع، وخاصة أن شفيق كان يرى نفسه الأقرب للمنصب بحكم حصوله على أكثر من 12.5 مليون صوت في مواجهة مرسي وامتلاكه قاعدة جماهيرية كبيرة يمكن الاعتماد عليها، وهو ما جعل الفريق يقرر التركيز على الانتخابات البرلمانية للعودة إلى القاهرة رئيساً للحكومة على الأقل في حال حصوله على الأغلبية البرلمانية.
أسس شفيق حزب «الحركة الوطنية» من الخارج وتولى رئاسته وأناب المستشار المتقاعد يحيي قدري للقيام بأعمال رئيس الحزب الذي جمع عدداً كبيراً من القبائل والعائلات حوله في الصعيد والمحافظات الحدودية. وهي كتلة حرجة يمكنها أن تشكل الأغلبية البرلمانية في حال تجميعها تحت مظلة واحدة تراعي الوزن النسبي والمصالح الخاصة للنواب في البرلمان. وهي التوليفة التي كان يعتمد عليها الحزب الوطني المنحل برئاسة مبارك للسيطرة على البرلمان، الأمر الذي جعل معظم مرشحي الحزب إما نواباً سابقين للحزب الوطني أو أبناء النواب وأولاد عمومهم ضمن خطة الدفع بالشباب إلى صدارة المشهد السياسي التي اتبعها الحزب.
رسمياً، لم يعلن الحزب تبرؤه من نواب الوطني المنحل، لكنه رحب بجميع الراغبين في العمل السياسي شريطة أن لا تكون يداه ملوثتين بالدماء أو الفساد، وهي التصريحات التي كان يحرص عليها يحيي قدري في لقاءاته الإعلامية، علماً بأن قوائم الحزب تعرضت للتفكك أكثر من مرة، لكن قيادات الحزب كانت تنجح في احتواء الأمر سريعاً.
حتى السيسي لم يبد اعتراضاً على حزب شفيق الذي يتمتع بوجود قوي في الشارع، وكان قدري أحد الضيوف الدائمين في لقاءات الرئيس برؤساء الأحزاب، لكنه لم ينجح على المستوى القضائي برفع اسم شفيق من قائمة ترقب الوصول بسبب ما وصفته الجهات القضائية باستمرار التحقيق في بلاغات مقدمة ضد الفريق منذ فترة طويلة.
التحول في لعبة القط والفأر التي يتبعها شفيق والنظام المصري، فاق التصورات أخيراً، بعدما قدمت تقارير لجهات سيادية بأن شفيق يحضر لقائمة انتخابية قوية، إضافة إلى مرشحين ينافسون على جميع مقاعد البرلمان بما يضمن له تشكيل الحكومة من دون تحالف مع أي من القوى السياسية الموجودة، وخاصة مع توافر الدعم للقائمة من رجال أعمال مقيمين في الخارج وعملوا مع شفيق لفترات طويلة، وهو تهديد واضح للنظام المصري، وخاصة أن الدستور يمنح صلاحيات واسعة للبرلمان؛ من بينها تشكيل الحكومة ومحاسبة الرئيس وهو ما جعل الجهات السيادية تبعث رسالة للفريق بأن يكف عن ممارسة السياسة. وهي الرسالة التي رد عليها شفيق بشكل حاد في لقاء تلفزيوني، منع من العرض لاحقاً، تحدث فيه عن إمكانية كشفه لأسرار وأحاديث دارت خلال حكم مبارك وفي أيام الثورة وتقارير تتعلق بشأن أشخاص أصبحوا في أكبر المناصب الآن، في إشارة الى السيسي الذي كان يشغل آنذاك منصب مدير المخابرات الحربية، والمهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس شركة المقاولين العرب.
تلويح شفيق بالكشف عن الأسرار التي عرفها خلال توليه رئاسة الحكومة قبل مغادرة مبارك للسلطة وبعدها جاء ضمن حملة تصعيدية إعلامية بدأت قبل أسابيع قليلة تضمنت تأكيده أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من الفريق سامي عنان رئيس الأركان قبل يوم واحد من نتيجة الانتخابات الرئاسية يؤكد فيه فوز شفيق بمنصب الرئيس، قبل أن تعلن لجنة الانتخابات في اليوم التالي فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي بالانتخابات. وهي التصريحات التي تأتي متماشية مع وصول الحرس الجمهوري المكلف بحماية الرئيس وتأمينه إلى منزل شفيق قبل إعلان النتيجة رسمياً.
لا يمكن فصل ما يحدث مع شفيق عن انطلاق حملة مجهولة من بعض أنصاره ــ تبرأ حزب الحركة الوطنية منها ــ تحت عنوان «أنت الرئيس» في إشارة إلى رغبتهم في تولي الفريق الرئاسة، علماً بأنه كان أحد الداعمين للسيسي في الانتخابات التي جرت العام الماضي.
مناورة سياسية قام بها شفيق بإعلانه الاستقالة من رئاسة حزب الحركة الوطنية، لكن هذه الاستقالة سرعان ما أعلن عن رفضها حيث يبحث الحزب تداعياتها في اجتماع عاجل يعقد اليوم الاثنين. ويتوقع أن يتم إقناعه بالعدول عن الاستقالة من أجل الانتخابات البرلمانية التي يراهن شفيق على أن تمنحه حصانة قضائية في حال فوز حزبه بالأغلبية وقيامه بتشكيل الحكومة، حيث سيعود إلى القاهرة وهو محصن من شبح الحبس الذي طارد جميع رموز نظام مبارك تقريباً، قبل أن يحصلوا على البراءة تباعاً. فهل ينجح مخطط الفريق، أم أن الأجهزة السيادية سيكون لها رأي آخر؟