من غير المستغرب دفن الفدائي الإيطالي فرانكو فونتانا «جوزيف إبراهيم» في جبانة الشهداء في شاتيلا، اذ يمكن لزوار الجبانة، بمجرد قراءة اسماء بعض اصحاب القبور، ملاحظة أن عددا كبيرا من المناضلين الأجانب دفنوا الى جانب رفاقهم الفلسطينيين واللبنانيين. في ذلك الزمن كان النضال أممياً، ولم تكن القضية الفلسطينية وقفاً على الفلسطينيين او العرب فقط.


فهنا في شاتيلا دفن أعضاء الجيش الأحمر الياباني، ومنفذو عملية مطار اللد عام 1972: تسويوشي أوكودايرا (باسم) وياسويوكي ياسودا (صلاح). فرانكو أو جوزيف كان من الفدائيين الأجانب الذين تركوا كل شيء خلفهم وانضموا الى فصائل الثورة الفلسطينية. في ذلك الزمن، كان النضال أممياً وكانت القضية الفلسطينية مركز اهتمام شرفاء العالم. فضمت صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عدداً من المقاتلين الأجانب، فمن ألمانيا أتى مناضلو الجيش الأحمر (بادر ماينهوف)، ومن اليابان أتى عناصر الجيش الأحمر الياباني (الذي أسسته المناضلة فوساكو شيغينوبو)، ومن إيرلندا اتى مقاومو الجيش الجمهوري الإيرلندي، إضافة الى المناضل الأممي كارلوس، حمل هؤلاء الهوية الفلسطينية قبل هويتهم الأم، وقاتلوا وقتلوا لأجلها. كان فرانكو ابن ذلك الزمن. ترك إيطاليا وأتى الى لبنان مقاتلاً في صفوف الجبهة الديموقراطية. في تلك الفترة لم يوصف المقاتلون العابرون للقارات بالمرتزقة، فهم كانوا مقاتلين مؤمنين بالقضية التي حملوها، واستشهد بعضهم دفاعاً عنها، وكانت جميع بلدان العالم ساحة قتالهم. حينذاك كان هؤلاء مقاتلين أمميين يريدون نصرة قضية حقّة، قضية الخير فيها واضح والشر فيها واضح، قضية لا شُبهة عليها. وببساطة يمكن لمن يريد التأكد الذهاب الى جبانة شاتيلا، فهنا المسيحي مدفون الى جانب المسلم، والياباني الى جانب العربي، والايطالي الى جانب اللبناني. هنا في جبانة الشهداء يجب على من نسي او تناسى، أو أضاع البوصلة الحقيقية وهي فلسطين تأمل أسماء المدفونين جيداً، ليتأكد أن الزمن الذي كانت فيه القضية المركزية فلسطين، كان جميع شرفاء العالم على استعداد للموت من أجلها، وفرانكو أحد هؤلاء. في يومنا هذا نرى مقاتلين أجانب لقبوا أنفسهم بالثوار، اتوا من مختلف أصقاع الأرض ودمروا حضارات بأكملها، ونهبوا ثروات بلاد كانت مركز العالم القديم. هؤلاء شوّهوا صفة «الثائر» فهم لم يساهموا في إغناء المجتمعات التي سكنوها، وبقوا كغرباء بين أهلها الأصليين، وكانوا أشبه بالمستوطنين الصهاينة بداية وصولهم الى فلسطين، عندما سكنوا بين العرب بسطوة السلاح. في زمن فرانكو كان الأجانب من أهل البيت، ولا يُخاف منهم، والدليل على ذلك الحفاوة التي استقبل بها جوزيف في المخيمات، والجنازة التي خرجت لأجله. في يومنا هذا تغيّر كل شيء، لم تعد فلسطين القضية الأولى، بل أصبح «الله القضية» (شعار رفعته حماس في السابق)، اليوم لم يعد «الله القضية» فقط، فهناك «الجنة القضية» و«النار القضية»، وأصبح لكل شيء قضية، الا فلسطين. الأسبوع الماضي دفن الإيطالي الجميل فرانكو فونتانا في شاتيلا، ملتحقاً برفاقه وقائده ممدوح نوفل (القائد العام السابق لقوات الجبهة الديموقراطية). هكذا، ومع دفن الرفيق فرانكو دُفن ما بقي من الزمن الجميل، عندما كانت فلسطين القضية.