برغم المواجع التي يحركها التراشق بالتصريحات الصحافية غير المنتهية بين المتحدثين باسم كل من حركتي «فتح» و«حماس»، فإن هذا التراشق قد يحمل ما هو «طريف» في بعض الأحيان، بل إلى حد يثير الضحك. ففي الأيام القليلة الماضية، أعلن عضو اللجنة المركزية لـ«فتح» عباس زكي، عودة العلاقات بين حركته والدولة السورية، بعد قطيعة دامت اثنين وثلاثين عاماً. يبذل زكي منذ بعض الوقت جهداً في هذا الاتجاه. ولم يكن إعلانه مفاجأة كبيرة، وإن برز فيه تقويم من «فتح» للأوضاع في سوريا، مبني على رؤية حاضرة لدى أطراف داخل الحركة منذ وقت طويل. كما كان توقيت الزيارة والإعلان عن عودة العلاقات بين الطرفين لافتين؛ فقد أكد زكي أن الذهاب إلى سوريا جاء في مرحلة صعبة.


العلاقات السورية ــ الفتحاوية انقطعت منذ عام 1983، بعدما سلمت دمشق المكاتب التابعة لـ«فتح» إلى قيادة «فتح الانتفاضة» التي انشقت عن الحركة الأم وقادها العقيد أبو موسى مراغة، ثم مرت العلاقة بين التنظيم الفلسطيني الكبير والدولة السورية بمحطات من التقارب والتباعد، على وقع المفاوضات بين السلطة وحكومة العدو، لكنها تطورت أكثر حينما «فاخر» محمود عباس بأنه لم يستجب للضغوط الأميركية والعربية، وحضر بنفسه إلى قمة دمشق العربية.
ومع بداية الأزمة السورية، وتوتر العلاقة بين «حماس» ودمشق، تكثفت اللقاءات الفتحاوية ــ السورية، إذ زار دمشق عدد من قيادات «فتح» ومسؤولون في السلطة الفلسطينية، وعملياً تقرر البدء بتطبيع العلاقات منذ 2013، عبر إعادة أملاك «فتح» التي أخذها الفصيل المنشق، «فتح الانتفاضة».
يبدو المسار طبيعياً إلى هنا، ولكن غير الطبيعي هو الغضب الذي سيطر على قيادات «حماس» عقب تصريحات عباس زكي. إذ اتهم القيادي في «حماس» صلاح البردويل، «فتح»، بانتهاج «انتهازية رخيصة»، ما وصفه بالعمل على استغلال الخلاف بين «حماس» ودمشق وطهران لإعادة فتح مكاتب الحركة هناك. ولم يكتف البردويل بهذا، بل أعاد خطوة زكي إلى «إفلاس فتح على الأرض عبر ضرب أمجاد الآخرين».
ليست واضحة تلك الأمجاد التي يقصدها. وإن كان مفهوماً أن يتحسر البردويل على «أمجاد حماس» في سوريا، حيث كانت حاصلة على امتيازات لم يحصل عليها فصيل أو حزب فلسطيني من قبل. أما ما لا يمكن فهمه، فهو اتهام «فتح» بأنها ــ عبر عودة العلاقات ــ تسيء للشعبين السوري والفلسطيني في المخيمات. حقيقة، لا نعلم من المسيء: هل هو الذي اختلف مع سوريا وخرج بلا أذى إلى حد ما، أم الذي ذهب إلى قطر وأيد وساهم إلى حد كبير في احتلال العصابات المسلحة للمخيمات الفلسطينية، وتهجير اللاجئين الفلسطينيين من هناك إلى أصقاع الأرض؟
تناسى البردويل انتهازية حركته ــ التي بدأت مع صعود نجم «الإخوان المسلمين» في مصر وسواها ــ وتخليها عن الأيادي التي مدت لها وقت العسرة والشدة، ثم بررت «حماس» لنفسها تحت شعار: «من أعاننا على الحق لا نعينه على الباطل».
أخذت «حماس» قراراً بالخروج من سوريا من تلقاء نفسها. لم تُكره على هذا، ولم يطلب أحد منها الخروج، ولم تتقدم جحافل من «فتح» لتحتل مكاتبها، كما جرى سابقاً مع «فتح» التي طردت من «الشام». بل إن قيادات «حماس» بعد الخروج الطوعي من دمشق، بدأت في خريف 2012، برفع نبرة تصريحاتها التي وصلت إلى حد عدم معارضة التدخل الخارجي واستجلاب «الحلف الأطلسي» إلى سوريا لمساندة «الثورة» على الطريقة الليبية!
في كل حال، يحق لـ«فتح» أن تتحرك سياسياً، وأن تكون لها نظرتها للأحداث وموقفها منها. ومن المفيد إعادة علاقتها بسوريا التي لا تزال تحتضن عشرات آلاف الفلسطينيين... وإذا كان صعباً الدفاع عن حركة وقّعت اتفاق أوسلو، وتقوم بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، فمن الصعب أيضاً تقبل اتهامات تطلقها «حماس» عن "انتهازية فتح» في الوقت الذي يبتلع فيه البردويل لسانه، ولا يدين اللقاء «الواضح والوقح» بين السعودية والاحتلال، بل يقف هو وحركته إلى جانب المملكة المعتدية على اليمن، طمعاً بالتحولات الموعودة من الملك سلمان تجاه "الإخوان".
كان الأجدى بالقيادي الحمساوي وحركته المبادرة إلى ترميم العلاقة مع دمشق، أو التوقف عن إعاقة إجراء مصالحة داخل مخيم اليرموك من أجل وقف معاناة الفلسطينيين الذين تتاجر بمآسيهم هناك «حماس»... ولعله الحفاظ على من تبقى منهم داخل سوريا.