القاهرة | «وإن عدتم عدنا»، شعار رفعته الحركات الاحتجاجية الشبابية في وجه المنظومة المصرية التي عادت بعد أربع سنوات على اطاحة حسني مبارك إلى «السياسات المباركية» نفسها، بعد مدة من الهدوء والتوسع «النسبي» في سقف الحريات العامة، وتحديدا منذ إطاحة مبارك حتى وصول عبد الفتاح السيسي إلى اللحكم.

وبعد التوسع في الوسائل الاحتجاجية خلال المرحلة التي أعقبت تنحي مبارك عن الحكم، شهدت الوسائل الاحتجاجية ارتفاعا حادا في أسلوب التعبير عن غضبها من الأنظمة المتوالية التي خلفت الزعيم الأسبق، وصولا إلى التظاهر بـ«البرسيم» والملابس الداخلية النسائية أمام منزلي الرئيس المعزول محمد مرسي، ووزير الداخلية السابق محمد إبراهيم على التوالي، في فعاليتين نظمتهما حركة «السادس من أبريل»، خلال حكم مرسي.

لكن، مع إطاحة مرسي، بدا أن النظام اتخذ خطا منهجيا بغلق المجال العام وتلجيم الطموح الثوري المتمادي لقوى شبابية أظهرت قدرتها على التغيير بنجاحها في إطاحة ثلاثة حكام توالوا على مصر (مبارك 2011، والمجلس العسكري الذي أجبر على تحديد موعد لتسليم السلطة 2012، ومرسي 2013). جرى ذلك بإصدار قانون حظر التظاهر، ومحاكمة عدد من الناشطين بتهم تتعلق بخرق هذا القانون، أو ضمن حملات الاعتقالات الموسعة وحالات «الاختطاف» التي تشنها قوى الأمن بحق مختلف التيارات بين حين وآخر.
الآن، بعد عامين من إطاحة مرسي واستقرار الأمور «نسبيا» لمصلحة التركيبة الجديدة، أدركت القوى الثورية نفسها أن ما كان مسموحا به عقب تنحي مبارك وأيام مرسي، سواء بفعل «الوهج الثوري» في الميادين، وموافقة هذه التحركات رغبة أجهزة الدولة في الحالة الثانية، لم يعد مسموحا به الآن؛ فسيف الدولة مصلت على رقاب الجميع.
ومع الاستمرار في غلق المجال العام، ومصادرة مساحة الحريات الواسعة التي حصل عليها المصريون عقب 25 يناير، عادت القوى الثورية نفسها ــ بمشاركة مجتمعية من النقابات والعمالية، إلى ممارسة الإحتجاج عبر الوسائل نفسها التي جرت أيام مبارك، في حالة استنساخ جديدة. من ذلك عودة «الوقفات الاحتجاجية» أمام مجلس الوزراء وعلى سلالم نقابة الصحافيين، وهي كانت من أبرز علامات السنين الأخيرة لحكم مبارك.
وفيما بدا أنه استنساخ لأدوات مبارك من جهة النظام، استنسخت القوى الشبابية والمجتمعية الاحتجاجية الأدوات نفسها ضد الحكم الجديد، بالوقفات الاحتجاجية أو بتدشين حملة توقيعات «بداية» التي أطلقها ناشطون سياسيون، أو الدعوة إلى إضراب عام ــ « 6 أبريل».
وبرغم نجاح هذه الأدوات مرتين سابقتين، فإن استنساخ أدوات الاحتجاج الآن نفسها، ربما يدل على ضعف المعارضة المصرية وعجزها عن التجديد، وخاصة أن هذه الخطوات درستها السلطة واستخرجت منها الدورس، ولن تسمح بتكرارها مرة أخرى، إلا وفق متغيرات ربما ليست حاضرة الآن.
عمرو بدر، هو أحد مؤسسي حركة «بداية» التي تسعى إلى جمع توقيعات من أجل: الإفراج عن كل سجناء الرأي، وإسقاط قانون التظاهر، وإعادة هيكلة وزارة الداخلية، وإعداد مشروع قانون للعدالة الانتقالية يقتص لدماء الشهداء، ومحاكمة كل من تورط في الفساد والنهب والدم، وتحقيق عدالة اجتماعية تضمن إنهاء البطالة، ومكافحة جادة للفقر، ووضع قانون جديد للعمل يضمن الحق في الأجر العادل والتأمين والإجازة، ولكن بدر يرفض اعتبار أن هناك «استنساخا» لتجربة «تمرد» الناجحة، لأن أدوات العمل السياسي عامة، والاحتجاج خاصة، ليست ملكا لأحد، كما يرى.
ويعزو بدر، وهو عم «محمود بدر» أحد مؤسسي «تمرد»، العودة إلى استخدام الأساليب نفسها إلى أنه لم يتغير شيء، فالنظام نفسه لا يزال موجودا بتركيبته القمعية، والسجون والمعتقلات مفتوحة على مصراعيها، وأيضا التضييق على الحريات مستمر، لذلك فإن «الأدوات القادرة على التأثير في النظام قديما وحديثا هي هي»، مشيرا إلى أن «حرية الحركة والقدرة على التواصل مع الجمهور أقل مما كانت عليه في أيام مبارك»، ما دفع القوى الاحتجاجية إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
أما عمرو علي، وهو المنسق العام في «6 أبريل»، فأقر بأن الوضع العام أسوأ مما كان عليه أيام مبارك نتيجة «تغول وتوحش القبضة الأمنية»، ما ألزم القوى الاحتجاجية محدودية خياراتها للتعبير عن الرأي. ورفض علي التشبيه بين دعوة حركته إلى الإضراب يوم أمس، ونجاح إضراب عمال المحلة في 2008 الذي كان البداية الفعلية للعد التنازلي لمبارك في الحكم، وذلك «لاختلاف الجهة الداعية للإضراب في الحالتين، فإضراب المحلة كان مطلبا خاصا بعمال مصانع الغزل والنسيج المحلة بالأساس، فيما الإضراب الذي تدعو له الحركة يستهدف الجمهور العادي من المواطنين البسطاء».