حلب | لا تكاد عاصمة الشمال السوري تتخلّى عن صدارة المشهد الميداني، حتى تعود إليها بزخم أكبر، وتداخلات أشدّ تعقيداً. فبعدَما حظي مشروع «فتح حلب» التركي – السعودي – القطري بزخمٍ إعلامي كبير في المرحلة السابقة، خفت بريق المشروع وبدا أنّ محافظة حلب بالعموم توشكُ أن تدخل مرحلة «ستاتيكو»، لولا دخول تنظيم «الدولة الإسلاميّة» على خط الحدث الحلبي بقوّة.


والواقعُ أنّ التنظيم انتهزَ لحظةً إقليميّة دقيقة للبدء في اكتساح معاقل المجموعات المسلّحة في الريف الشمالي لحلب. المفارقةُ أنّ أبرز أسباب التهاوي السريع لخصوم «داعش» مرتبطٌ في الدرجة الأولى بهيكلة المجموعات التّي كانَ من المفترض أن تتنطّح لـ «فتح حلب». وكان المخطط الذي اعتُمد حينها بعد تداخلات إقليميّة ودوليّة عدّة قد اقتضى استبعاد «جبهة النصرة»، و«جبهة أنصار الدين» (وعمادها الأساسي جيش المهاجرين والأنصار بقيادة صلاح الدين الشيشاني) من المشهد الحلبي لأسباب «تكتيكيّة» تتجاوز الميدان، وتندرج في إطار «الضرورات السياسيّة». لاحقاً لذلك، أدّى وضع خطّة «فتح حلب» على الرّف مرحليّاً إلى وجود خلل في توازن المجموعات المسلّحة في الريف الشمالي وهيكلية توزّعها، سارع تنظيم «داعش» إلى استغلاله ساعياً إلى رسم «نصف قوس داعشي» يطوّق حلب من الشمال، ويتكامل مع مناطق نفوذه في الريف الشرقي. وتشير معلوماتٌ وتحليلات متقاطعة إلى أنّ مصالح إقليميّة أدّت إلى غض النظر عن تحرّك «داعش» واعتباره بمثابة «الخطة ب» البديلة من «فتح حلب» في المرحلة الراهنة. ولا يمكن تناول التطوّرات الأخيرة، ودخول طائرات «التحالف» على الخط في معزل عن كل المعطيات السابقة. ولا تختلف أهداف الغارات التي شنّتها الأخيرة في الأيام الماضية عن معظم غاراته في سوريا منذ أيلول الماضي، وهي أهدافٌ ذات بُعدين: إعلامي في الدرجة الأولى، وتكتيكي في الدرجة الثانية، يتمحور حول رسم خطوط حمراء لـ «داعش» ينبغي له التزامُها، ويُسمح له بـ«التمدّد» خارجها كما يشاء. ومن البديهي القول إنّ الغارات الأخيرة لو كانت تسعى إلى منع أي تحرّك للتنظيم في الريف الشمالي لكانَ حريّاً بها أن تبدأ قبل عشرة أيام، بالتزامن مع أولى تحركات «داعش» في هذا المسار. أما وأن الغارات تأخرت حتى أول من أمس فهذا يعني أنّ التنظيم أوشك على ملامسة الخطوط الحمراء، وهي خطوط تُعنى في الشمال الحلبي بمناطق نفوذ الأكراد في عفرين ومحيطها فحسب. وعلاوةً على كل ما تقدّم، تنبغي الإشارة إلى أنّ «غارات التحالف» الأخيرة، وخلافاً لما جرى تداوله خلال اليومين الماضيين لم تأتِ نُصرة لـ«جبهة النصرة»، بقدر ما جاءت لسد الفراغ الّذي تركه غياب الأخيرة عن مشهد الريف الشمالي وفقاً لخطة «فتح حلب» المُعلّقة. وتؤكد مصادر «جهاديّة»، ومُعارضة مختلفة لـ«الأخبار» أنّ المجموعات المنتشرة في الريف الشمالي والمنخرطة حاليّاً في قتال «داعش» لا تشتمل إلّا على أعداد قليلة من مقاتلي «النصرة» المحليّين. وتأتي على رأس المجموعات (حتى الآن) «حركة أحرار الشام الإسلاميّة»، إضافة إلى مكوّنات «الجبهة الشاميّة» وعلى نحو خاص «كتائب الصفوة» من مارع (وتُسمى صفوة عبد القادر الصالح، نسبةً إلى القائد السابق للواء التوحيد)، إضافة إلى «الفرقة 16»، وبدرجة أقل «حركة نور الدين زنكي»، وما تبقّى من «جيش المجاهدين» بعد انشقاق «ثوّار الشام» عنه، فيما تحاول المجموعات الحصول على مؤازرة تبدو ضرورية للتصدي لـ«داعش» من بعض التنظيمات «الجهادية» الوازنة، وعلى رأسها «جيش المهاجرين والأنصار». وفي هذا السياق، راجت أمس أنباء عن «تلقّي صلاح الدين الشيشاني تهديدات جديّة بالتصفية»، وأخرى عن «وضعه قيد الإقامة الجبرية» بسبب تمسّكه بالحياد في ما يخص المواجهات مع «داعش»، وفيما تعذّر التثبت من دقة تلك المعلومات عبر مصادر موثوق بها، أكّد مصدران «جهاديّان» لـ«الأخبار» وجود «خلافات حقيقية داخل جيش المهاجرين والأنصار في هذا الشأن». ووفقاً للتأكيدات فقد «أدّت التطورات إلى شرخ حاد في الرأي بين فريقين داخل المهاجرين والأنصار، أوّلهما رافضٌ لمواجهة داعش، ومتمسك بالعهدة الشيشانيّة («الأخبار»، العدد 2284)، وثانيهما عازمٌ على الاتخراط في المواجهة ولو أدّى ذلك إلى انقسام شبيه بذلك الذي حصل إبّان مبايعة مؤسس الجيش وقائده السابق عمر الشيشاني لتنظيم الدولة».