تتعاطى السعودية مع الامم المتحدة ومنظماتها علىأنها طوع أمرها، وأن سياسات هذه المنظمات يجب أن تغطي عدوانها. فهي ضغطت من أجل إقالة المبعوث السابق للأمم المتحدة في اليمن جمال بن عمر من منصبه، على خلفية اتهامه من قبل النظام الخليجي بالانحياز إلى جانب انصار الله. والحقيقة أن الرجل كان يمارس دوره بالمتاح الممكن ضمن موازين القوى في الخارطة السياسية اليمنية، والاقليمية. وعندما جرى تعيين المبعوث الحالي اسماعيل ولد الشيخ أحمد هلل الاعلام السعودي والخليجي له، بناء على الاعتقاد بأن الرجل مقرب منهم، وأن له مصالح خاصة في السعودية، فضلا عن أنه مقرب من وزير الخارجية عادل الجبير. غير أن الوقائع وأداء الرجل، حتى الآن، أثبتت أنه يسير على سيرة سلفه، لأن السعودية، باختصار، فشلت في تحقيق أهدافها، والحال أن معظم محافظات اليمن أصبحت- حتى في ظل العدوان- تديرها اللجنة الثورية العليا المقربة من "أنصار الله".


صحيح أن الدبلوماسية الخليجية نجحت باستصدار القرار 2216 من مجلس الأمن، إلا أنها فشلت في تسييل هذا القرار سياسياً، كما أخفقت في صرفه عسكريا لإنتاج تحول على المستوى الميداني.
ثم إن المشهد الإنساني الكارثي الناتج عن العدوان جعل المنظمات والهيئات الإنسانية الاممية في وضع حرج بسبب الإفراط السعودي في الدموية والامعان في سياسة التدمير المنهجي للبلد، من دون الالتزام بأي ضوابط أو قواعد اشتباك حربية. وقد دفع ذلك هذه المنظمات إلى أن تحجز لها دورا فجاء نشاطها كبديل دبلوماسي في ظل غياب المبادرات الفاعلة والوازنة.
وفي هذا السياق، أتى الموعد الذي حددته الأمم المتحدة في 28 أيار الماضي في جنيف للحوار بين المكونات اليمنية، الذي رُفض سعودياً من خلال رسالة الاعتذار التي أرسل بها الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي للامين العام للأمم المتحدة بذريعة استمرار انصار الله باستفزاز دول الجوار. في الموازاة جاءت مفاوضات مسقط في سلطنة عمان، فظهر في الشكل أن حكومة المنفى في الرياض غير راضية عن مجرياتها، وهي بالأصل لم تُدعَ إليها؛ أما في المضمون فقد اتضح أن هذه المفاوضات جرت بحضور الأصيل وغياب الوكيل، وهذا ما عبر عنه الناطق باسم حكومة هادي، إذ قال إن مفاوضات مسقط هي بين انصار الله والاميركيين وأن نتائجها غير ملزمة له.
غير أن المهم في المسألة هو أن حالة الإنكار السعودي لفشل العدوان تحجب عن الرياض رؤية أن دول العالم، وحتى أصدقاءها، باتوا في وضع يرون فيه أن هذا العدوان يجب أن يتوقف، وأن استمراره لن يؤدي إلى نتيجة سوى القتل والتدمير للشعب اليمني.
والآن يجري الحديث عن تحديد موعد آخر لمؤتمر جنيف، بعد العاشر من الشهر الحالي، وإذا وافقت السعودية على حضوره أو حضور جماعتها إذا كان مقتصرا على الحوار اليمني- اليمني كما بات شائعاً، تكون قد وافقت على تظهير إخفاقها وتراجعها عن تحقيق الأهداف المعلنة لعدوانها، وخصوصا أن السعودية كانت تشترط لعقد المؤتمر أن تكون المبادرة الخليجية وقرارات الامم المتحدة، دون غيرها، مرجعية للحوار؛ بل لم تكتف بذلك، إذ اشترطت أيضاً تحديد الجهات والشخصيات اليمنية التي يجب أن تدعى لهذا الحوار.
غير أن المعلومات المتداولة حاليا تفيد أن مكونات الشعب اليمني نفسها التي كانت تتحاور في اليمن ستدعى إلى مؤتمر جنيف من دون أي تغيير، والأهم من كل ذلك أن الذهاب إلى الحوار سيكون من دون شروط مسبقة وبنوايا حسنة، بحسب بيان صحافي لمجلس الامن عقب جلسة لمناقشة الوضع اليمني.
أما "انصار الله" فانهم يذهبون إلى الحوار وهم يمتلكون مساحة واسعة من المناورة، حيث إن معظم المحافظات اليمنية بيدهم، وهم موافقون على تسليم المدن، ولكن الإشكالية أمام الجميع تتعلق بالجهة التي سوف تتسلم مكانهم في ظل تنامي قوة القاعدة، وعدم وجود قوة مقبولة من الطرفين في ظل احتساب الجيش ومعظم ألويته على أنصار الله، الأمر الذي يحتاج إلى مفاوضات طويلة ومعقدة.