القاهرة | تثير مئات أحكام الإعدام التي تصدرها محاكم الجنايات المصرية المختلفة بحق قيادات وأعضاء في جماعة «الإخوان المسلمين» قلقاً كبيراً لدى أوساط محلية وإقليمية ودولية، وخاصة مع تنفيذ الحكم بحق سبعة متهمين في حادثين، ولكن مصادر في الرئاسة المصرية تؤكد أن تلك الأحكام لن تطاول المستوى القيادي في «الإخوان» (المرشد العام محمد بديع والرئيس السابق محمد مرسي)، لن تنفذ خلال الولاية الأولى من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، على الأقل.

رغم ذلك، لم تغلق تلك المصادر إمكانية تنفيذ أي حكم، راهنة ذلك بما سمتها الاعتبارات الداخلية والخارجية، وفي هذا الإطار لا يمكن النظر إلى أحكام الإعدام وصدورها دون الانتباه إلى «غضاضة» القضاة تجاه «الإخوان» ووجود انحياز مسبق لدى غالبيتهم ضد الجماعة التي سعت إلى احتواء السلطة القضائية وفرض أعضائها على هيئتها خلال العام الذي تولى فيه محمد مرسي السلطة، الأمر الذي يعطي انطباعاً عن القضاة بأنهم أصحاب انحيازات مسبقة مع إعلان كثيرين منهم مواقف معارضة للجماعة.

وبطبيعة الحال، فإن غالبية القضاة لا يتلقون أوامر من الرئاسة أو أي جهة رسمية بصورة مباشرة كما يروج في الأوساط الإخوانية، وإلا ما كانت توقيتات الأحكام متزامنة ومرتبطة بأحداث سياسية؛ فالمحكمة التي أصدرت أول قرار إحالة على المفتي بحق مرسي ستنطق رسمياً بحكم الإعدام على الأرجح قبل يوم واحد من زيارة السيسي المرتقبة للعاصمة الألمانية برلين، مع أن ذلك سيسبب للأخير إحراجاً هناك.
وترتبط أحكام الإعدام في الجمهورية بثلاث درجات للتقاضي، وما صدر بحق غالبية قيادات «الإخوان» لم يكن سوى الأولى، إذ لم يتم تأييد أي من الأحكام عبر محكمة الاستئناف أو محكمة النقض، وهي إجراءات تقاضي تستغرق على الأقل عامين ويمكن أن تصل إلى سبع سنوات أو أكثر، إن لم تحدد محكمة النقض المعروفة بإطالتها أمد القضايا جلسة للنظر في القضية أمامها بعد استنفاد أول درجتين، مع الأخذ في الاعتبار أن أحكام الإعدام عادة ما يقبل فيها النقض سواء بطعن النيابة العامة التي ألزمها القانون بالطعن، أو من المتهمين.
أما ما تم تنفيذه في الأيام الماضية، فقد كان عبر القضاء العسكري الذي لا يحاكم فيه مرسي ومن معه. وقضائياً، فإن تأييد الحكم بالإعدام أمام «النقض» يعني أن تسعة قضاة نظروا في القضية خلال ثلاث مراحل مختلفة، واستقرت لديهم قناعة بضرورة تطبيق الإعدام على المتهم، وخاصة أن رفض أي قاض من التسعة يلغي الحكم ويخفضه إلى الدرجة الأقل، وهي السجن المؤبد 25 عاماً.
كذلك يراعي القضاة نسبياً الظرف السياسي، وهو ما يراهن السيسي عليه خلال المرحلة المقبلة، وذلك في ظل اللقاءات المتتالية التي يعقدها مع القضاة ويرسل خلالها إشارات مباشرة لما يرغب فيه، وهو ما حدث في لقائه مع قضاة محكمة النقض، والمحكمة الدستورية، وهو ما يجعل القضاة الداعمين للرئيس يتأثرون بوجهة نظره ويستجيبون له دون أن يكون هناك توجيه وأمر مباشر لهم.
مصادر متطابقة في وزارة الخارجية والرئاسة تحدثت إلى «الأخبار» عن وجود رؤية مصرية للتعامل مع أحكام الإعدام بما يضمن ألا تنفذ خلال الولاية الأولى للسيسي، وهي التي تبقى فيها ثلاث سنوات تقريباً. وأكدت تلك المصادر أن الرئيس ناقش الأمر مع وزير الخارجية سامح شكري، وكان الرد مرتبطاً بإرجاء الأمر حتى تأييد الحكم نهائياً، كما جرى الحديث عن سيناريوين: الأول مرتبط بعدم توقيع الرئيس عقوبة الإعدام، والثاني حث البرلمان المنتخب على إلغاء العقوبة.
في الوقت نفسه، فإنه بعد التأكد من أن فكرة إعدام مرسي وبديع غير مطروحة في المرحلة الجارية، فإنه لا شك أن القاهرة لن تستطيع تحمل تبعات تنفيذ أحكام الإعدام قبل 10 سنوات من الآن، في ضوء التحفظ الأوروبي أصلاً على أسلوب التعامل مع «الإخوان» الذين يستغلون الأحكام للتحريض ضد النظام.
في شأن آخر، أكد المصدر الرئاسي أن مصر سترفض أي مبادرة تركية لاستضافة مرسي وقيادات جماعته ضمن حكم بالإبعاد، «لأن الموضوع أصبح مرتبطاً بالثأر مع المواطنين وليس مع النظام، ولأن أسراً كثيرة فقدت أشخاصاً منها خلال تظاهرات الإخوان لذا يستحيل أن يقبلوا التنازل عن دماء ذويهم». وأضاف المصدر: «الرفض محسوم مهما كانت الضغوط أو عروض المساعدات الاقتصادية من أي دولة... تماماً مثلما رفض المجلس العسكري سفر (حسني) مبارك إلى السعودية بعد تنحيه».