بغض النظر عمّن يقف وراء إطلاق الصاروخ، أو الصواريخ، ليل أمس، باتجاه مستوطنات في جنوب الأراضي المحتلة، وأيضاً عن الحيثيات المرتبطة بعملية الإطلاق أو الأسباب وراء تنفيذ مثل هذه العملية في هذه المرحلة، فإن المؤكد أن إسرائيل وقيادتها السياسية والأمنية أبعد ما تحتاج إلى العودة إلى كابوس فتح الجبهة الجنوبية، والاستنزاف الأمني والسياسي على حدود قطاع غزة، وخاصة في ظل الأولويات التي تتبناها حكومة بنيامين نتنياهو، والتطورات الإقليمية في المنطقة.


فمن جهة، تفضل القيادة الإسرائيلية تأجيل قضية غزة، أو على الأقل معالجتها وفق وتيرة تسمح بتبريد جبهتها والتوصل إلى صيغة ما تكرس حالة الهدوء هناك، أو حتى المحافظة على الوضع القائم، ذلك لأن صانع القرار السياسي والأمني في تل أبيب يطمح إلى التفرغ لمواجهة التحديات الاستراتيجية التي يراها أكثر حضوراً وإلحاحاً، بدءاً من تحول إيران إلى دولة نووية، مروراً بقدرات حزب الله الصاروخية الاستراتيجية، ووصولاً إلى مآل التطورات الميدانية التي تشهدها الساحة السورية.

لعب الاحتلال على وتر وجود خلاف داخلي أدى إلى إطلاق الصاروخ

وسط ذلك كله، فإن كل توتر أمني على الحدود مع غزة، يؤكد من جديد إخفاق الحرب الأخيرة ضدها، ولا سيما في تعزيز قدرة الردع الإسرائيلية. كذلك فإنه يقوض الصورة التي حاول نتنياهو وطاقم العدوان ترويجها عبر القول إن الحرب على القطاع انتهت بانتصار جلي وواضح، وهو ما رفضته غالبية الإسرائيليين وكثيرون من القادة السياسيين الموزعين على مختلف ألوان القوس السياسي الإسرائيلي.
مع ذلك، وجد الاحتلال نفسه ملزماً برد من دون أن يؤدي ذلك إلى التدحرج نحو إعادة فتح الجبهة، وأيضاً دون أن يرفع درجة التوتر الأمني، وهنا يعود القرار إلى خشية القيادة الإسرائيلية من أن عدم الرد يشير إلى رسالة ضعف قد تجرّئ أطرافاً فلسطينية على تكرار ما جرى في مناسبات مختلفة. لذا كان الرد الإسرائيلي فجر أمس، من دون أن يؤدي إلى خسائر بشرية في صفوف المقاتلين أو المدنيين الفلسطينيين، طبقاً للتقارير الإعلامية. وبعبارة أخرى، بما لا يُفترض إلى أن لا يؤدي إلى حشر الطرف الفلسطيني والمقاومة إلى رد مضاد. وفي الوقت نفسه، يشكل الرد وما تبعه من مواقف من أعلى القيادات الإسرائيلية رسالة ترى فيها إسرائيل أنها وصلت إلى الطرف المعني، وفيها أنها لن تستطيع التعايش مع سياسة «التنقيط» الصاروخية.
على المستوى السياسي، ظهر تحميل المسؤولية على «حماس»، وفق ما صدر على لسان نتنياهو، وهذا يعود إلى محاولة فرض معادلة مفادها أن أي عملية إطلاق صواريخ، حتى لو لم تكن «حماس» على علاقة بها، فإنها ستدفع الثمن. وبهذا يهدف نتنياهو إلى دفع «حماس» نحو العمل على منع إطلاق هذه الصواريخ، وخاصة أن أولوية الحركة في هذه المرحلة، وفق التقدير الإسرائيلي، يتمحور حول رفع الحصار عن غزة، في حين أن أي تدحرج نحو رد ورد مضاد، سيُبعد إمكانية تحقق هذا الطموح ويعرقل المساعي التي تبذل في هذا المجال.
في السياق نفسه، أكد نتنياهو أن إسرائيل ستفعل «كل ما يلزم للحفاظ على الهدوء الذي حققناه في عملية الجرف الصامد». وفق المعزوفة نفسها، أطلق وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، تهديداته بالقول إن إسرائيل «لن تمر مر الكرام على إطلاق الصاروخ من القطاع»، معتبراً أنه «إذا لم يستمر الهدوء فإن سكان غزة سيدفعون الثمن». وأضاف يعلون، تعقيباً على سقوط الصاروخ في منطقة «غان يافنيه» (جنوب)، أن تل أبيب «ترى حماس مسؤولة عما يحدث في القطاع، لذا من الأفضل أن تعمل على منع إطلاق صواريخ أو أي أعمال استفزازية أخرى».
أما رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، فأكد أن إسرائيل سترد «بمنتهى القوة» على أي خرق للهدنة، ولكنه عبّر عن اعتقاده بأن ترميم غزة «عامل ذو أهمية لضمان الهدوء»، داعياً الولايات المتحدة وأوروبا إلى الإسهام في إعادة إعمار القطاع.
مع ذلك، عقبت رئيسة حزب «ميرتس»، زهافا غلاؤون، على العدوان ضد القطاع، بالقول إن الرد بالقصف والقوة لن يمنع الجولة المقبلة، مذكرة بمواقف وشعارات نتنياهو الذي أعلن بعد الحرب الأخيرة أنه تمكن من «تركيع حماس»، وتعهد بجعل غزة منزوع السلاح.
وليس بعيداً عن محاولة احتواء الوضع والتخفيف من وقعه على الواقع الشعبي الإسرائيلي، عزت مصادر أمنية إسرائيلية إلى أن عملية إطلاق الصواريخ تعود إلى خلاف بين عناصر حركة «الجهاد الإسلامي»، فيما كان القصف الإسرائيلي شاملاً لمواقع عسكرية تابعة لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«لجان المقاومة الشعبية» على حد سواء، كما لم يعلن أي فصيل مسؤوليته عن العملية، في وقت قدرت فيه مصادر محلية في غزة أن صاروخاً واحداً أطلق من منطقة تل الهوا، غرب غزة، خلال أحد التدريبات، وقد أخطأ هدفه باتجاه البحر، وليس خمسة صواريخ كما نقلت مصادر عبرية، وليس من شمال القطاع أيضاً.
في السياق، حذرت «حماس»، الاحتلال من «مغبة التمادي في التصعيد ضد غزة»، واصفة القصف الإسرائيلي بـ«الحماقات»، وذلك بعد شن طائرات الاحتلال خمس غارات في ليلة واحدة.
إلى ذلك، اتهمت منظمة العفو الدولية «حماس» بأنها ارتكبت جرائم خلال الحرب الأخيرة في الصيف الماضي، بإعدامها عدداً من الفلسطينيين (قيل إنهم عملاء للاحتلال)، فيما وصفت «حماس» اتهامات «العفو الدولية» بأنها «سياسية».