بغداد | حتى ساعة متقدمة من مساء يوم الاثنين، كانت القيادة العسكرية العراقية وهيئة «الحشد الشعبي» ترفضان تحديد الساعة الصفر لانطلاق عمليات تحرير الأنبار، وذلك بعدما بلغت أعداد قوات «الحشد» الواصلة إلى المحافظة قرابة مئة ألف مقاتل. لكن قيادة العمليات المشتركة و«هيئة الحشد الشعبي» قررتا اختيار الساعة العاشرة من صباح أمس موعداً لانطلاق عمليات تحرير الأنبار والاستمرار في عمليات تحرير المناطق الشمالية من محافظة صلاح الدين (بيجي والصينية).


وأعلن رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، حيدر العبادي، أن القيادة المشتركة للقوات العراقية أطلقت عمليات تحرير محافظة الأنبار من سيطرة «داعش» واستمرار عمليات تطهير المناطق المحيطة بمدينة بيجي. وأكد العبادي، في بيان لمكتبه، أن تحرير الأنبار بات وشيكاً، وأن القوات المشتركة من جيش وشرطة و«حشد شعبي» يتقدمون الآن لقطع الطريق أمام الإرهابيين ومحاصرتهم، مهنئاً بالانتصارات المتحققة في بيجي.
وأعقب بيان العبادي مؤتمر صحافي للمتحدث الرسمي باسم «هيئة الحشد الشعبي»، أحمد الأسدي، أكد خلاله أن العملية العسكرية التي أطلقت هي بتخطيط وإدارة من قبل «الحشد» وفصائله المقاومة.

أقرّ نائب الرئيس الأميركي بتضحيات الجيش العراقي في مواجهة «داعش»

وأكد الأسدي، خلال المؤتمر، أنه بانطلاق العملية تكون القوات الأمنية و«الحشد الشعبي» قد أحكما محاصرة مدينة الرمادي بالكامل، وذلك بالتوازي مع استمرار العملية في مناطق شمال صلاح الدين وجنوب غرب تكريت وشمال شرق الرمادي، مضيفاً أن «الجزيرة التي تربط بين صلاح الدين والأنبار سيتم تحريرها في هذه العملية».
وشدد الأسدي على أن «انتصاراتنا ستكون سريعة، لأن استعداداتنا قوية»، في وقت تحدثت فيه مصادر في «الحشد الشعبي» عن إرسال أربعة آلاف مقاتل إلى مناطق شمال الرمادي، وهم من مقاتلي العشائر.
وأشار الأسدي، في معرض حديثه، إلى إنشاء خطوط صد في العاصمة بغداد «تحسباً لأي طارئ»، فضلاً عن إنشاء خطوط مماثلة في صلاح الدين وديالى.
وشدد المتحدث باسم «الحشد»، كذلك، على أن بغداد بالنسبة إلى القيادة العسكرية و«الحشد» خط أحمر، «وعندما نقول خط أحمر فهي ليست جملاً إنشائية أو تصريحات إعلامية». كذلك عرّج الأسدي على التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، حول عدم قدرة القوات العراقية على المواجهة وعدم إرادتها، قائلاً «أنتم من أشرف على تدريب هذا الجيش... الإرادة المفقودة التي تحدث عنها الوزير الأميركي هي الإرادة المكسورة التي أراد أعداء العراق زرعها في القوات العراقية».
وحتى مساء أمس، لم تصل أي أنباء مهمة من أرض المعركة حول النتائج الأولية للعملية العسكرية وطبيعة الموقف في جبهات القتال وخطوط التماس، بعد تقدم القوات الأمنية العراقية مدعومة من «الحشد الشعبي» نحو مدينة الرمادي من ثلاثة محاور. غير أن بياناً رسمياً صدر عن وزارة الدفاع العراقية أكد قطع خطوط الإمداد عن عناصر «داعش» في مدينة الرمادي، في حين أكد قائد شرطة المحافظة، هادي رزيج كسار، أن القوات الأمنية، بعد تحرير منطقة العنكور، أصبحت الآن على مشارف جامعة الأنبار، فيما ترددت أنباء عن تحريرها، كذلك تم الدخول إلى منطقة الطاش الواقعة إلى الجنوب من الرمادي والخالدية شرقاً.
كذلك فرضت القوات العراقية سيطرتها على امتداد 35 كلم في منطقة واقعة على الطريق السريع غرب الرمادي.
في غضون ذلك، علمت «الأخبار» أن اجتماعات مكثفة جرت قبيل انطلاق المعارك بأربعة أيام، بين قيادات وفصائل مهمة في «الحشد» ورئيس الحكومة حيدر العبادي، للاتفاق على تفاصيل المعركة والموقف من الولايات المتحدة ومن «التحالف الدولي». وبحسب مصدر رفيع في «الحشد»، فإن «العبادي قرر توفير إمكانيات عسكرية وأمنية لفصائل معينة في الحشد الشعبي لإنجاح المعركة الحالية».
وأشار المصدر إلى أن العبادي «التزم منذ تلك الاجتماعات حتى الآن بجميع تلك التعهدات»، لكنه لمّح إلى احتمالية «نكوص» رئيس الحكومة عن تلك التعهدات إذا تعرض لضغوط أميركية أو حتى من قبل بعض الأطراف السياسية، معتبراً أنه سيكون هو الخاسر.
وعن طبيعة المعركة، توقع الخبير الأمني والمختص في الجماعات المسلحة، هشام الهاشمي، أن تتم استعادة المناطق التي سيطر عليها «داعش» بعد السادس عشر من أيار الحالي (وهي السجارية و17 تموز والكسارة والثيلة والمباني الحكومية) خلال أيام بسبب عدم مكوث التنظيم طويلاً وتفخيخ المنازل والمباني. وأوضح لـ«الأخبار» أن «المناطق التي فرض داعش سيطرته عليها بعد العاشر من نيسان الماضي ستكون صعبة بعض الشيء»، والمناطق هي: البوفراج، البوعيثة، البوغنام.
ونفى الهاشمي ما تداولته وسائل إعلام محلية بشأن دخول زعيم «داعش»، أبو بكر البغدادي، إلى مدينة الموصل آتياً من الرقة السورية وتعيينه قيادياً صيني الجنسية والياً على الأنبار وقائداً لعمليات التنظيم في المحافظة، مؤكداً أنه لم يجر أي تغيير في قيادات التنظيم في الأنبار، وأن سعد العبيدي لا يزال يشغل المنصب.
وتزامن انطلاق المعارك مع تراجع أميركي عن التصريحات المشككة في الجيش العراقي التي سبق أن أطلقها وزير الدفاع آشتون كارتر، وذلك إثر إشادة نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، بـ«تضحية وشجاعة» الجيش العراقي في مواجهة «داعش».
وأوضح البيت الأبيض أن بايدن أقرّ في اتصال هاتفي مع العبادي بالتضحيات الهائلة والشجاعة التي أبدتها القوات العراقية في الأشهر الـ18 الأخيرة في الرمادي وغيرها، في مسعى وصفته وكالة «رويترز» بمحاولة لطمأنة العبادي.
وقال البيت الأبيض إن بايدن رحّب بقرار الحكومة العراقية تعبئة قوات إضافية و«الاستعداد لعمليات مضادة» لاستعادة الرمادي من أيدي مقاتلي «داعش»، مشيراً إلى أن بايدن تعهد أيضاً بدعم واشنطن الكامل لجهود الحكومة العراقية في مواجهة «داعش» و«بذل أقصى ما هو ممكن لمساعدة القوات العراقية الشجاعة، بما فيها قبائل الأنبار، لإنقاذ المحافظة (الأنبار) من إرهابيي تنظيم داعش».
وفيما تتجه البوصلة باتجاه «الحشد الشعبي» والفصائل المقاتلة، فجّر رئيس مجلس النواب، سليم الجبوري، ما يشبه المفاجأة، في مقابلة أجراها مع صحيفة «الشرق الأوسط» أمس، أشار فيها إلى أن حل الجيش العراقي الحالي أمر وارد في حال استمرار تفاقم الأوضاع الحالية وعدم محاسبة المقصرين، في تصريح هو الأول من نوعه لمسؤول عراقي منذ حل الجيش السابق وإنشاء الحالي في عهد الحاكم الأميركي المدني، بول بريمر، ما يعزز فرضية التخطيط الأميركي لإنشاء «جيش توازن» من «الشيعة والسنّة والأكراد» وحل الجيش الحالي تدريجياً.