لم يعجب «جنرال الحرب على الإرهاب»، محمد بن نايف بن عبد العزيز، كما تصفه الصحافة الأميركية، ما يحدث في المنطقة الشرقية اليوم. فقد غادرها الأمير الخمسيني وزيراً للداخلية، وعاد إليها على متن طائرة خاصة، أمس الثلاثاء، ولياً للعهد والملك المحتمل للسعودية بعد سلمان. على جناح السرعة، وخلال أيام بعد وقوع مجزرة القديح.

وصل بن نايف القطيف في الوقت الذي لا تزال فيه الدماء التي سالت في المجزرة يتردد صداها في عقول وحناجر الأهالي الغاضبين على السلطة السعودية المتهمة بالاستهتار بحياتهم، عبر دعمها الشحن الطائفي والإعلامي ضدهم. السبب الآخر والأهم في عرف الرجل القوي هو إعلان الأهالي تشكيل التعبئة العامة لحماية القطيف عبر «اللجان الشعبية» المنتشرة في كل حي من أحياء المنطقة الغنية باطنياً بالنفط، فيما مظاهر الفقر واضحة للعيان.

لم يكن في جعبة بن نايف من حجة سوى زيارة مصابي تفجير القديح وتعزية ذوي الشهداء. ولكنه دخل المستشفى مصحوباً بجيش من رجال الأمن وكلابهم الشرسة. طوّق العسكر المنطقة الغاضبة بسبب المجزرة الإرهابية التي وقعت في أحد مساجد القديح شرق القطيف قبل أيام، ثم خرج بن نايف مستنفراً أعوانه للوصول إلى ساحة العزاء. هناك رفض أهالي الضحايا المفجوعون استقباله، وقيل إنه تلقى تهديدات جدية بضرورة مغادرته المنطقة فوراً، ما جعله يستدعي بعض أهالي الشهداء وأعيان المنطقة لالتقاط الصور التذكارية في «قاعة الملك عبد الله بن عبد العزيز» الواقعة على أبواب المنطقة الثائرة على السلطات الرسمية، التي دعمت بإعلامها وشيوخها فتاوى قتل أهل القطيف بسبب معتقداتهم الدينية.
إنّ من يتابع تاريخ المنطقة الشرقية «الشيعية» الواقعة شرق السعودية، سيعرف أنها ظلت تشاغب السلطات منذ 1979، أي مع بداية انطلاقة الثورة الإسلامية في إيران. في ذلك اليوم، كان الأمير نايف بن عبد العزيز (1934/ 2012) وزيراً للداخلية. لم يسكت رجل الأمن الأول على ثورة أهالي المنطقة، فواجهها بالحديد والنار، وخلال أيام سقط العشرات واعتُقل المئات من أهالي المنطقة. ماتت قصتهم بين ليلة وضحاها، فيما اختارت الذاكرة الشعبية لتلك الحقبة عنواناً حمل «انتفاضة 1400».
ظلت الأحداث في القطيف ناراً تحت الرماد ــ حتى عهد محمد بن نايف، الذي خلع عمه أحمد بن عبد العزيز، ليترأس الوزارة الأهم في السعودية من الناحية السياسية والأمنية ــ إذ يتهم الأهالي نايف الأب بقتل واعتقال كثيرين من شباب القطيف بحجة مكافحة الإرهاب، ولا تزال غالبيتهم في سجون النظام حتى اليوم: المعتقلون المنسيون في قضية تفجير الخبر (1996) مثالاً، وبعد ذلك تولى الابن استكمال مهمة والده في اعتقال شباب القطيف بتهمة الثورة على السلطات ومحاولة تقويض نظام الحكم العجوز.
أحداث القديح قدحت الشرارة مجدداً، وعادت صور الشيخ المعتقل نمر باقر النمر الخصم الأبرز للسلطات هناك، للظهور في القطيف، بعدما راجت شائعة محاولة الأمير محمد إعدامه في الذكرى الرابعة لوفاة والده نايف بن عبد العزيز، خصم الشيخ الذي صعد يومها منبره محتفلاً بوفاة ولي العهد الراحل، ولاعناً سلطان بن عبد العزيز وسلمان بن عبد العزيز وخليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء البحريني، ومتعهداً بالموت «عاصياً لا مبايعاً لآل سعود» ــ حكام السيف الأملح ــ الذين «انتهجوا بسلفيتهم الوهابية منهج القتل وسفك الدماء والعمالة لأميركا»، وفق تعبير النمر.
مجدداً، سيحاول محمد بن نايف بزيارته الأخيرة لفلفة القضية «الشيعية»، فهو أخفى الشعارات التي رفعها المحتجون ضد السلطة السياسية والدينية يوم تشييع شهدائهم من صحف النظام الرسمية، وأجبر الجميع على ضرورة ترويج شعار «الوحدة الوطنية»، متناسياً أن «داعش» التي تتمدد تحت أنظار الجميع وفوق دمائهم، قد بدأت طي الصفحة الأولى في حكم آل سعود.