غزة | يعد الشهيد، رائد العطار من أبناء «الجيل الثاني» القيادي في «كتائب القسام»، ذراع «حماس» العسكرية، ولفهم جيد لقضية العطار، يجب استعراض واقع «القسام» وتطورها. وبذلك، تُقسّم الأجيال الخاصة بالجناح العسكري للحركة إلى أربعة: الجيل الأول هو «جيل مرحلة التأسيس» الذي كان يعاني، على الصعد كافة، قلّة التسليح والعتاد والخبرة في مواجهة المنظومة الإسرائيلية بكل مميزاتها العسكرية والأمنية المعروفة على المستوى العالمي، ويمتد هذا الجيل من مرحلة ما قبل الانتفاضة الأولى بسنوات، حتى إبرام «اتفاق أوسلو»، 1994.


الجيل الثاني، كانت ظروفه أشد صعوبة وأكثر تعقيداً، فقد فرض عليه العمل في ظل الظروف السابقة، إضافة إلى مطاردة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، كل من ينتمي إلى المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال. وقد اعترف أحد المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، عام 1996، بأن السلطة «نجحت في ثمانية أشهر فقط، في الحصول على معلومات لم تتمكن (إسرائيل) من جمعها خلال عشرين عاماً»، وقد كان العطار فعلياً من رواد هذا الجيل الرقم 2.

كانت السلطة الفلسطينية
قد حكمت على العطار
بالإعدام في 1999

كانت بداية العطار متواضعة، قبل أن تبدأ «سلسلة المتاعب» التي تسبب بها للسلطة والاحتلال، ففي عام 1995، حكمت عليه محكمة تابعة للسلطة بالسجن لعامين، بتهمة «التدريب على أسلحة غير مشروعة» (اتفاقية أوسلو نصت على أن «السلاح الشرعي» في الضفة المحتلة وغزة، هو أسلحة جيش الاحتلال والسلطة فقط).
برز اسم العطار ليصبح تحت الأضواء، بعد الحكم عليه بالإعدام «رمياً بالرصاص»، من محكمة «أمن الدولة» التابعة للسلطة، في العاشر من آذار 1999، على خلفية مقتل ضابط في الشرطة، خلال ملاحقته للقبض عليه. أدى هذا الحكم إلى اشتعال مواجهات عنيفة في محافظة رفح (جنوب)، قتل فيها شابان وأصيب آخرون بجراح مختلفة، وهنا تحديداً بدأ الإسرائيليون يجنون ثمار مخططهم القاضي بـ«جعل الفلسطينيين يقتلون بعضهم بعضا، بدلاً من أن يواجهوا الاحتلال معاً»!
مرت الأيام، واستطاع العطار الخروج من سجون السلطة في ظل استهداف الاحتلال مواقع الأجهزة الأمنية أثناء أحداث انتفاضة الأقصى الثانية، ليعود إلى ما بدأه. كانت التجارب المختلفة قد صقلت شخصيته وأكسبتها خبرات لازمته في المراحل اللاحقة، وخاصة في انتفاضة الأقصى ــ التي شهدت تطوراً كبيراً في نوعية أعمال المقاومة ــ إذ برز «الجيل الثالث» من «كتائب القسام»، الذي تولى العطار دوراً مهماً في تأهيله، وهو ما عزز شعبيته بين أفراد «القسام» كثيرا.
وكانت الكتائب قد تلقت، منذ 1996 حتى اندلاع الانتفاضة الثانية، ضربات كبيرة استلزمت إعادة بنائها من جديد بطرق مختلفة عما قبل، مع الأخذ في الحسبان أخطاء المرحلتين السابقتين، وضرورة ضم نخب جديدة من الشبان المؤهلين لمواصلة الكفاح المسلّح. لهذا جاءت مهمة شاقة أثبت العطار وزملاؤه، أنهم استطاعوا فعلها باقتدارٍ عالٍ، مستفيدين من تجربة «حزب الله»، بصورة أساسية، إن كان من حيث أساليب القتال والبناء والتسليح، وهو ما عملوا على استنساخه وتطويره في غزة، وخاصة مع كونهم المسؤولين عن الربط بالدعم الإيراني والسوري.
برغم ذلك، فإن دور العطار الحقيقي برز في بناء «الجيل الرابع» من مقاتلي «القسام»: جيل ما بعد أحداث الانقسام الداخلي، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008. هذا الجيل بالذات شهد «طفرة نوعية»، فقد كان من الشباب الذين سنحت أمامهم فرصة الانتقال من «العمل في مجموعات محدودة الأفراد» إلى بناء هيكلية عسكرية شديدة التنظيم، تحظى بتسليح وتدريب جيدين، إضافة إلى نقل الخبرات والمعارف الجديدة، التي حظي بها المتدربون في إيران وسوريا، وذلك ترافق مع تأسيس أول كلية عسكرية باسم «صلاح شحادة» ــ قائد «القسام» السابق ــ وقد كان للعطار دور مهم فيها.
أشرف الرجل على الاستفادة من حصاد الدروس المتراكم مع غيره من قيادات الصف الأول، ومنهم بطبيعة الحال أحمد الجعبري. في هذا الوقت، كان ما تصلح تسميته «الدرس الأكثر أهمية»، والمواجهة الأوسع مع الاحتلال: عدوان عام 2008، الذي جرى في ظل أن «القسام» لم تتم خططها التطويرية لبناء قدرات وكوادر جديدة تستعد للمراحل المقبلة.
وفعلاً، جاءت أولى ثمار الحصاد بإتمام صفقة التبادل المعروفة باسم «صفقة شاليط» عام 2011. وأثبت خلالها العطار أنه الأكثر دهاء وخطورة بين قيادات «القسام»، فقد أشرف على عملية الأسر، ثم متابعة الاحتفاظ بشاليط طوال خمس سنوات، وفي النهاية الإشراف على إخراج شاليط من مخبئه، ومراقبة المراحل الأخيرة من «الاستلام والتسليم»، مع وضع الاحتمالات والاحتياطات اللازمة لذلك.
يقول أحد من عرفوه: «كان أبو أيمن (كنية العطار) ذا شعبية واسعة بين شباب القسام، وخصوصاً كتيبة رفح. وبرغم أنه من أهم المطلوبين للاحتلال، الذي اعترف بمحاولة اغتياله أربع مرات، خلال 2008، فإنه تابع بانتظام تدريبات الشباب وأشرف عليها مباشرة، ولا سيما وحدات النخبة، التي جرى التركيز على تطويرها عقب نجاح صفقة شاليط».
أيضاً، كان العطار من أكثر من ركز في تدريب «النخبة» على ضرورة أسر الجنود، فكانت تعليماته لهم بتعلم اللغة العبرية، والخطوات اللازمة في حال أسر الجندي، كالدخول في «الصمت اللاسلكي» والتخلص من أي وسيلة تعقب إلكترونية تكون مغروسة حتى في جسد كل جندي إسرائيلي لتحديد مكانه، مع ضرورة «اختيار الجنود من ذوي البشرة البيضاء والملامح الغربية، وتجنب ذوي الملامح العربية والأفريقية».
وأتت المواجهة الجديدة عام 2014. وخلالها أثبت المقاتلون، الذين أشرف العطار وغيره على تدريبهم وبناء وحداتهم، كفاءة عالية لا تقل عن أفضل الوحدات في الجيوش النظامية. وقد أقر بذلك قادة العدوان الإسرائيلي، الذين سموه في ما بعد «الحرب الثامنة»، وكان العطار رائدها بالفعل، لكونه الرجل الميداني الأول، ولتحمله «العبء الأكبر» من تركة الجعبري الثقيلة، عقب استشهاد الأخير.
في ظل هذه المعركة، كانت توجيهات العطار واضحة: «ائسروا المزيد من الجنود». وتقول مصادر إنه كان المشرف الأول على أسر الجندي هدار غولدن في رفح، التي كانت السبب الرئيسي في اكتشاف مكانه، من «عيون» الاحتلال في غزة، ثم اغتياله مع «الرجل الثالث» في «القسام»، محمد أبو شمالة، ضمن ضربة مزدوجة ومؤلمة.
يقول أحد مسؤولي «القسام» عن هذه النقطة تحديداً، إن «الخطأ الذي ارتكبه أبو أيمن هو إصراره على الخروج (خلال الهدنة) من مكانه، فذهب ليقبل رؤوس شباب وحدات النخبة القسامية الذين أسروا غولدن»، مضيفاً: «في تلك اللحظات استطاع عملاء الاحتلال تتبعه إلى أن وصلوا إلى مكانه، وقد ساعدهم على ذلك تمديد وتعدّد الهدن التي أتاحت لهم الحراك على الأرض بحرية كبيرة».
بعد تسعة شهور، لم تنته قصة العطار عند اغتياله، فقد حكمت عليه، يوم السبت الماضي، محكمة مصرية بالإعدام، متهمة إياه بالتورط في أحداث سجن «وادي النطرون»، عام 2011، ليكون حكم الإعدام الثالث الذي حظي به بعد اغتياله. وبرغم أن الاحتلال لا تطبق حكومة الإعدام «رسمياً»، ولم يحدث تطبيقها إلا في حالات محدودة، فإن المعروف للجميع أن عملية الاغتيال تمثل «أحكام إعدام غير معلنة»، ليضاف هذا البند إلى سيرة هذا الرجل، الذي بقي مثيراً للجدل إلى ما بعد استشهاده.