عمّان | بجرة قلم، أُحيل مدير الأمن العام ومدير الدرك في عمان، قبل يومين، على التقاعد. أمرٌ ملكي شمل مع تسريح تلك الشخصيات المهمة، قبول استقالة وزير الداخلية، حسين المجالي، وهو ما لا يمكن اعتباره مصادفة أو إجراءً روتينياً.

وبعد مدة قصيرة، صدر مساء أمس قرار ملكي بتعيين سلامة حمّاد وزيراً للداخلية، إذ وصفها بعضهم بـ«المفاجأة المرعبة»، بالاستناد إلى أن حمّاد كان وزيراً للداخلية، قبل ٢٢ عاماً، في حكومة عبد السلام المجالي، وهي الفترة التي سبقت معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل بعام، وكذلك بقي في منصبه أثناء المعاهدة وبعدها بعامين.

وكانت تلك المدة في مضمونها قد أفقدت النظام السياسي الكثير من ملامح المسار الديموقراطي، إذ أشرف حمّاد على عدد من الانتخابات، في منتصف التسعينيات، وُصفت نتيجتها بـ«المزوّرة»، كما يذكر مراقبون.

لم يستطع «الثالوث المُقال» ضبط «الحراك الشعبي»
العنيف في المحافظة

أما عن القرار الملكي المفاجئ الذي أدى إلى رحيل الثلاثة المذكورين، فقد تلقاه الأردنيون أيضاً بدهشة، وخصوصاً أن المؤشرات كانت تدلّ على أن المجالي وصل المراحل الأخيرة من صعوده «الصاروخي» نحو مقعد رئاسة الوزراء، ثم ظهر أن طموحاته السياسية أشغلته عن مهماته الرئيسية، ما دفع الملك إلى إقالته. هذه رواية، فيما تقول الرواية الرسمية إن ضعف التنسيق بين وزير الداخلية المستقيل ومدير الدرك اللواء أحمد السويلميين، ومدير الأمن العام الفريق الركن توفيق الطوالبة، لعب دوراً مهماً في رحيل الثلاثة، على اعتبار أن الملك عبدالله لمس «حالة من الجفاء بينهم».
تضيف الرواية نفسها أن هذه المعطيات قرأها القصر، أخيراً، بعد الأداء الأمني في محافظة معان، التي تقع جنوبي المملكة، وأحداث الشغب التي عصفت بها، وكان أبرزها حادثة سيارات المخابرات التي سرقها مجهولون ورُفع علم «داعش» عليها.
لملمة ما تبعثر من أركان الأمن الأردني في محافظات عديدة، أمر لا بدّ منه في هذه المرحلة، كما يقول مراقبون، «لأن الدولة الأردنية تعتبر نفسها في مقدمة الدول التي تعمل على محاربة الإرهاب والجماعات المتطرّفة في المنطقة». وعلى هذا الصعيد، لم يستطع «الثالوث المُقال» أن يضبط «الحراك الشعبي» العنيف، الذي اشتعل في معان، ولم يتمكن من إخماد نيران الغضب والسخط الشعبيين على السياسات الحكومية، التي تقصي المحافظات الأخرى ولا توفر لها أدنى المتطلبات المعيشية.
ويضم الجهاز الأمني في الأردن الأمن العام والدفاع المدني والمخابرات العامة وقوات الدرك، لكنّ ثمة فروقاً واضحة بين دور الأمن العام والدرك والمخابرات (التي تمثل الحكومة الخفية التي تسيّر الأوضاع)، كما يقول اللواء المتقاعد عبد الجليل المعايطة، الذي يشرح أنه إلى جانب وظيفة الأمن العام (المتعلقة بالقضايا الاجتماعية)، فإن عليها «حفظ النظام والأمن والسلامة العامة الداخلية... كالجرائم والشكاوى وضبط الحياة اليومية».
أما الدرك، فهو فصيل ميداني مستقل وعالي الجهوزية، ويتمتع بالقوة لمكافحة الشغب والعصيان وفض المشاجرات والصدامات، بالاعتماد على أسلوب التدخل السريع لمنع وقوع المواجهات، وعليه أيضاً حماية السفارات الأجنبية والمؤسسات الحكومية والأجهزة الحساسة والحيوية في البلد، إضافة إلى المشاركة في مهمات خارجية ضمن قوات حفظ السلام، مع أن بعض المعارضين يتهمون الحكومة بأنها استخدمت الدرك، المشهور بقسوته، في شؤون دول أخرى، مثل البحرين.
مع ذلك، تبقى قوات الأمن والدرك أذرعاً واضحة لوزارة الداخلية، فيما مهمات الجيش مختلفة كلياً، وينحصر عمله على الحدود والمشاركات في حفظ السلام في دول عديدة.
يرى الكاتب في صحيفة «الدستور» الأردنية، ماهر أبو طير، أن رحيل الثلاثة «جاء على وقع خلافات شخصية مكتومة ظلت تطحن لسنوات تلك القيادات، ما سبّب إخفاق العديد من المهمات الأمنية». ويضيف أبو طير: «هناك احتمالان لا ثالث لهما، فإما أن تلجأ الدولة إلى تسوية الملفات العالقة في معان، وإما أن تذهب إلى مواجهة مفتوحة تؤدي إلى نزع الشوك من القطن»، في ظل بقاء ملفات مفتوحة كالمطلوبين الجنائيين، وملف التشدد (التيارات السلفية)، والوضع الاقتصادي.
أما المستشار السياسي في صحيفة «الغد»، فهد الخيطان، فيعتقد أن «إقالة القيادات الأمنية الكبيرة حققت أهدافاً مهمة لمصلحة الأمن الوطني الأردني»، مشيرا إلى أن ذلك «لبى مطالب أهالي معان الذين اتهموا القيادات المقالة بتوتير الموقف في مدينتهم».
وبشأن كون ما جرى لوزير الداخلية إقالة أو استقالة، قال وزير الشؤون البرلمانية والسياسية خالد الكلالدة، إن المجالي «قرر تقديم الاستقالة عندما شعر بأن هناك غياباً للتنسيق بين الأمن والدرك والداخلية ــ الفرع العام»، لكنه أضاف: «هذا التغيير في المنظومة الأمنية أمر عادي وجاء حفاظاً على الوضع الأمني داخل المملكة، وهو لن يترك فراغاً».