تونس | ثلاث حالات موت مريبة شهدتها في غضون شهر واحد مراكز الإيقاف التونسية، رافقتها اتهامات متعددة لوزارة الداخلية بمواصلة ممارسة التعذيب أو سوء المعاملة في مراكزها، وذلك بعد أكثر من خمس سنوات على «الثورة التونسية»، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على توقيع تونس اتفاقية مناهضة التعذيب، وبرغم كون المجلة الجنائية التونسية تجرّم ممارسة التعذيب.

وبرغم الدعوات المتكررة لإصلاح المؤسسة الأمنية والنهوض بوعي عناصرها وإصلاح سلوكهم، لا يزال «التعذيب» شبحاً مخيماً وتهمة متصلة بعناصر «الأمن»، وذهبت ضحيته أرواح كثيرة.

في السابق، أي قبل أحداث 14 كانون الثاني 2011، كان التعذيب وسوء المعاملة والتعنيف الشديد يمارس في تونس على نطاق واسع لأتفه الأسباب ولمجرد الشبهة أو الريبة، وفي حالات عديدة من دون سبب.

تؤشر هذه القضايا
إلى تدهور وضعية حقوق الإنسان والموقوفين

مورس التعذيب أساساً في مخافر الشرطة ومراكز الاحتفاظ وداخل السجون، وحتى في الفضاء العام كالشارع والملاعب وأمام مقار الأحزاب والمنظمات والنقابات، كما لم يكن يخلو مركز من مراكز الشرطة من وجود وسائل مخصصة للتعذيب كالعصي والسلاسل وغيرها. وكثيراً ما يؤدّي التعذيب إلى الموت أو الإعاقة ويترك آثارا نفسية أو بدنية دائمة. بعد «الثورة التونسية»، اعتقد كثيرون أن كل ذلك مثّل صفحات سوداء من تاريخ البلاد لا بد أن تطوى بلا رجعة، لكن الأحداث أثبتت غير ذلك.
منذ أقل من أسبوع، أصدرت «المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب» بياناً أشار إلى تسجيل ثالث حالة وفاة مشكوك في أسبابها. كانت الثالثة التي تقع في أقل من شهر داخل مركز إيقاف. وأوضحت المنظمة أنه جرى صبيحة يوم 13 أيار الجاري «إعلام عائلة الفقيد عبد المجيد بن سعد الجدي بوفاته بمقر فرقة الابحاث والتفتيش للحرس الوطني» في محافظة سيدي بوزيد.
وقالت العائلة للمنظمة إن الإعلام بالوفاة وصلها عن طريق الهاتف وبصفة مقتضبة، ولدى وصول أفراد العائلة إلى مقر الفرقة أُبلغوا أن عبد المجيد انتحر في غرفة الاحتفاظ وأن جثته نقلت إلى مستشفى المحافظة لتشريحها.
وأوضحت المنظمة في بيانها أن عبد المجيد كان قد أوقف على ذمة قضية سرقة خلال شهر شباط الماضي على يد الحرس الوطني، وبعد إحالته على القضاء أفرجت عنه المحكمة. وخلال الجلسة صرّح الموقوف بأنه «تعرض للتعذيب ولسوء المعاملة أثناء الاحتفاظ به بمقر الفرقة المذكورة، وأنه أبقي ليلة كاملة معلقا من معصميه، ويداه مكبلتان وعاين رئيس الدائرة آثار التعذيب»، بحسب بيان المنظمة.
وبتاريخ 14/04/2015 تقدّم الضحية بشكوى إلى النيابة العمومية في سيدي بوزيد ضد عناصر من فرقة الأبحاث والتفتيش التابعة للحرس الوطني في سيدي بوزيد. وبتاريخ 12/05/2015 أُوقف الضحية مرة أخرى للاشتباه في ارتكابه عملية سرقة، وذلك على يد الفرقة نفسها التي سبق أن تقدم بشكوى ضد بعض عناصرها، ليجري في 13/05/2015 إعلام عائلته بوفاته.
وأوضح الكاتب العام لـ»المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب»، منذر الشارني، أن عائلة عبد المجيد أكدت للمنظمة أن الأخير كان قد عقد خطوبته قبل أسبوعين، وأن وضعه النفسي مستقر، وأنه شخص «مقبل على الحياة»، مشككة بذلك في رواية انتحاره.
وشدد الشارني على أن المنظمة ترى أن وفاة الموقوف جرت في ظروف مريبة وتحوم حولها الشبهات، وعلى انها تطالب بفتح تحقيق قضائي وإداري سريع ومعمق، وخاصة أنّ الوفاة وقعت بعد تقدم المتوفَّى بشكوى ضد بعض عناصر الفرقة.
كذلك، لا تزال المنظمة في انتظار نتيجة التشريح الطبي وتطالب بأن يُجريه ثلاثة أطباء شرعيين، وهو نفس طلب العائلة، كما تطالب «المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب» بتأليف لجنة برلمانية للتحقيق في حالات الوفيات المشكوك فيها، التي وقعت في الفترة الأخيرة.
ورأى الشارني أن توالي «حالات الوفاة المسترابة» (أي المشكوك فيها) يؤشر إلى تدهور وضعية حقوق الإنسان وحقوق الموقوفين في تونس، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الدعوات المتواصلة للمنظمات الحقوقية وتنبيهها السلطات إلى خطورة تواصل انتهاك حقوق الانسان لم تجد أي صدى، وهو ما يؤشر إلى عدم اكتراث السلطات بحياة التونسيين وبكرامتهم.
ومن المنتظر أن تعقد المنظمة ندوة صحافية حول حالات الموت التي تقع في الظروف نفسها في السجون وفي مراكز الاحتفاظ. وستقدم أثناء الندوة شهادات عائلات الضحايا. في المقابل، لم تقم السلطات الرسمية ووزارة الداخلية بأكثر من تفنيد ما راج، دون أي تحرك جدي أو فعلي لإيقاف ما يحدث في مراكزها.
ويبدو أنّ تداعيات تلك القضايا لن تكون داخلية فحسب، إذ دعت، أمس، منظمة «هيومن رايتس ووتش» السلطات التونسية إلى «إجراء تحقيق سريع ومدقق ومحايد» في وفاة عبد المجيد الجدي.