«وثيقة الرياض»، هي ما تمخّض عن «مؤتمر إنقاذ اليمن وبناء الدولة الاتحادية» الذي تشهده العاصمة السعودية، في يومه الثاني، لتمثّل الورقة التي ستحملها السعودية ومؤيدوها من القوى اليمنية إلى مفاوضات جنيف في نهاية الشهر الحالي. الوثيقة التي تذكّر بـ«المبادرة الخليجية»، تعكس محاولات الرياض الحثيثة لخلق دولة يمنية بمختلف مؤسساتها، على مقاس السعودية ووصايتها، ولإعادة اليمن وشعبه إلى المربع الأول، مذكرةً من جديد بالسبب الرئيسي خلف الأزمة اليمنية، والمفضي لاحقاً إلى العدوان المتواصل، وهو رفض الرياض لدولة يمنية خارج عباءتها.


مسودة الوثيقة التي ناقشها ممثلو دول الخليج والدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية، فضلاً عن الشخصيات اليمنية المؤيدة للعدوان في جلسة مغلقة يوم أمس، نصّت على نقاط عدة، أهمها تشكيل «نواة أولى» للجيش والأمن اليمنييْن بقيادة تشكيلات وطنية «غير متورطة في الفساد»، و«التعجيل بعودة صعدة إلى ما كانت عليه قبل الحرب 2004» (بعد انسحاب الجيش و«أنصار الله» من عدن وصنعاء بحسب الوثيقة)، و«استعادة مؤسسات الدولة من خلال إنهاء العدوان والتمرد وإسقاط الانقلاب ومحاسبة الضالعين فيه»، إضافة إلى تأكيدها التمسك بالمبادرة الخليجية ونتائج مؤتمر الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن.
ويعود الحديث عن تشكيل جيش يمني جديد إلى ما قبل بدء العدوان، ولا سيما مع انتقال الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن حيث حاول إقامة سلطة رديفة ثم جيش رديف. وفي السياق، بدأت أولى تباشير هذا المشروع بالظهور تباعاً، منذ بدء هادي بإقالة قياديين في الجيش وتعيين آخرين، حتى بلغ يوم أمس أكثر مراحله وضوحاً، حين وصل رئيس أركان الجيش محمد علي المقدشي، إلى منطقة العبر التابعة لمحافظة حضرموت (شرق البلاد) للشروع بتشكيل ألوية عسكرية جديدة «موالية للشرعية»، وفق وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية. وأشارت الوثيقة، في اليوم الثاني من المؤتمر الذي ينهي أعماله اليوم، إلى أن بناء «الدولة المدنية الاتحادية الحديثة» هو استكمال لما بقي من مهمات العملية الانتقالية وبناء الدولة المدنية، من خلال الإسراع في دعوة الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار الوطني لمناقشة مسودة الدستور في «إطار وثيقة الرياض»، وطرحها للنقاش العام والاستفتاء. وفي ما يخص الجنوب، تطرح الوثيقة «الحلول والضمانات للقضية الجنوبية، وحق الشعب في تحديد مكانته السياسية في إطار الدولة الاتحادية»، وتضمنت نقاطاً متعلقة بخطط إعادة الإعمار والأعمال الإغاثية.
من جهتها، تتمسك جماعة «أنصار الله» بموقفها الرافض للمؤتمر المذكور. وأكد مصدر مسؤول في الجماعة في حديث إلى «الأخبار»، أن الأخيرة «ترتب أوراقها لمؤتمر تفاوض يرتب له المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ»، في إشارة إلى المؤتمر المرتقب في مدينة جنيف السويسرية. أما حزب «المؤتمر الشعبي العام» المنقسم بين موالين لرئيسه علي عبد الله صالح وآخرين لهادي، فيشدد المتحدث باسمه، عبده الجندي، على أن الحزب «متماسك وملتف حول قيادته»، مشيراً إلى أن «مؤتمر الرياض» سيخرج بمجموعة من «الإملاءات فقط، من الدول التي تقود العدوان». ويضيف الجندي أن اللجنة العامة للمؤتمر تعدّ كل من يحضر مؤتمر الرياض «لا يمثل إلا نفسه».
على خطّ مواز، تصرّ طهران على موقفها من الأزمة اليمنية برغم الضغوط كافة. في هذا الصدد، قال مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي أكبر ولايتي، إن السعودية لا تستطيع أن تستضيف المحادثات بين الفصائل المتحاربة في اليمن لأنها طرف في الصراع الدائر هناك. وأشار ولايتي من بيروت يوم أمس، إلى ضرورة انعقاد جلسة وطاولة للحوار الوطني بين كل مكونات المجتمع اليمني «في بلد آخر لا يرتبط لا بالرياض ولا بسواها».
في السياق نفسه، أكد السفير الإيراني لدى الكويت، علي رضا عنايتي، أمس، أن بلاده «لم تطلب التفاوض مع السعودية بشأن اليمن». وأوضح عنايتي خلال مؤتمر صحافي في السفارة الإيرانية في العاصمة الكويتية، أن «المداولات موجودة بالفعل من قبل المندوب الأممي (ولد الشيخ) مع الإيرانيين والاتصالات جارية بشأن اليمن»، مشيراً إلى استعداد بلاده لمساعدة الشعب اليمني «سواء سياسياً أو إنسانياً».
من جهة أخرى، أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أن واشنطن تدعم الهدنة الإنسانية في اليمن، بيد أنه يصعب تحقيقها في ظل الظروف الحالية. وكشف كيري في تصريحات أن الحوثيين انتهكوا الهدنة بتحريكهم منصات صواريخ إلى الحدود السعودية.
ويوم أمس، استأنف التحالف الذي تقوده الرياض عملياته العسكرية بوتيرتها المعتادة، بعدما كانت هذه العمليات قد تقلصت أثناء الهدنة (انتهت ليل أول من أمس). وبعد رفض دعوة ولد الشيخ تمديد الهدنة، أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أن التزام دول التحالف الهدنة «مرهون بعدم انتهاكها من قبل الطرف الآخر». وشنّ التحالف قصفاً عنيفاً على محافظتي صعدة وحجة، بالإضافة إلى قصف أحياء في محافظة عدن. من جهتها، عادت القبائل اليمنية إلى عملياتها العسكرية على الحدود، حيث قصفت يوم أمس، مدينة جيزان السعودية، قبل أن تردّ مدفعية الجيش السعودي المنتشرة على طول الحدود مع اليمن بقصفٍ على مناطق يمنية.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، الأناضول)