غزة | أغلق بنك «فلسطين»، في قطاع غزة، حسابات أكثر من 40 جمعية خيرية (تتبع لحركة «حماس»)، بإيعاز من سلطة النقد، ووفق أوامر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي طلب تجميد المنابع الاقتصادية التي قد تكون مصدراً لتمويل «حماس». وتأتي هذه الخطوة لتضيّق الخناق على الحركة التي تعاني أصلاً من أزمة مالية وصلت إلى ذروتها، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بعدما بدأت عملية إغلاق الحسابات من شهر أيلول الماضي.


مصدر مقرّب من رئاسة السلطة كشف لـ«الأخبار» أن تجميد هذه الجمعيات تحديداً جاء نتيجة استخدامها من «حماس»، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، «في تحصيل الأموال من الجهات المانحة لها، عبر مشاريع وهمية لا وجود لها على أرض الواقع». وأوضح المصدر أن «الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الحركة ودفعتها إلى ابتكار ضريبة التكافل، أكبر تأكيد على صحة المعلومات التي وصلت إلى مكتب الرئيس حول مصادر تمويلها، عبر هذه الجمعيات التي تتخذ منها وسيلة للتمويل بعد إغلاق الأنفاق»، مشيراً إلى أن «خطوات أخرى قد تتخذها الرئاسة، بإغلاق كل حسابات الأفراد المقرّبين من حماس في المصارف الوطنية»!
تقاطعت هذه التصريحات مع ما قاله مصدر مقرّب من «حماس» عن أن «عباس يحارب الحركة بكل ما أوتي من قوة، بعدما أثبتت قوّتها جماهيرياً وسياسياً ــ خصوصاً في ظل ما يجري تداوله في الإعلام عن مشروع هدنة في المستقبل القريب، وإقصاء رام الله عن أي اتفاقات قد تتمّ (مع الاحتلال) ــ بتضييق الخناق عليها مالياً ومنعها من إيفاء متطلباتها تبعاً للحصار الاقتصادي المحكم عليها الذي وصل إلى ذروته».
في هذا الإطار، «بدأ عباس استهداف قاعدة حماس الأساسية التي ترتكز عليها لاستقطاب التأييد الشعبي، وهي الجمعيات الخيرية التي تقدم خدمات اجتماعية وتتكفل الأسر المستورة والأيتام وأهالي الشهداء»، كما أضاف المصدر ذاته، موضحاً أن هذه الجمعيات «تتقدمها جمعية الصلاح الخيرية والجمعية الإسلامية». كذلك يوضح المصدر أن «عباس يعرف تماماً أن الشعب هو الركيزة الأساسية، لذلك كانت حماس تعمل على مساعدة شرائح كبيرة من المجتمع، وتقديم مساعدات عينية ومالية لآلاف الأسر المستورة».
حاولت «الأخبار» مراراً التواصل مع نائب مدير «بنك فلسطين»، علاء رضوان، للوقوف على ردّ المصرف، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، ولكن مصدراً آخر في المصرف أكد وجود تعليمات واضحة من سلطة النقد بإغلاق الحسابات التابعة لجمعيات «حماس» في القطاع، ومنع تحويل أي حوالة مالية لها مهما كانت صغيرة، رابطاً القرار بالوضع السياسي.
وهذه ليست المرة الأولى التي تغلق فيها حسابات تابعة لجمعيات «حماس»، فقد أغلق «فلسطين» حسابات أهالي شهداء وأيتام مطلع العام الماضي، الأمر الذي واجهته تلك العائلات باعتصامات احتجاجية حتى تراجع البنك عن خطوته.
«الخطوات نفسها من المقرر أن تنفذها العائلات احتجاجاً على إغلاق حساباتها مرة أخرى»، يقول رئيس جمعية «أصدقاء الطالب» محمد العتال، وذلك رفضاً «للجريمة الاجتماعية التي يرتكبها بنكا فلسطين والقدس»، منبهاً إلى أن اللقاءات التي جرت مع نائب مدير «بنك فلسطين»، وأيضاً مع وزير العمل (في حكومة التوافق) مأمون أبو شهلا، ذهبت سدى من دون أي نتيجة إيجابية.
يضيف العتال أن «99 في المئة من الجمعيات التي جرى إغلاقها تتبع لحماس، وهدف ذلك زعزعة شعبيتها وإبعاد الناس عنها». وأكمل: «أتحدى أن تكون أيّ من الجمعيات المغلقة حساباتها تتبع لأي فصيل آخر، كفتح أو الجهاد الإسلامي أو حتى الجمعيات التابعة للسلفيين مثل جمعية ابن باز»، داعياً رئيس السلطة إلى «تحييد الخلافات السياسية عن حقوق الناس الاجتماعية وحرمان ما يزيد على 50 ألف مستفيد من مساعدات لا تكاد تكفي قوت يومهم، في ظل الفقر المدقع».
ووفق رصد «الأخبار»، فإن أغلب الجمعيات التي أغلقت حساباتها مرخصة ما قبل عام 2000، كجمعية «الصلاح الإسلامية» التي تكفل أكثر من ثمانية آلاف يتيم وتشرف على مدرسة تعنى بتعليم الأيتام، و«الجمعية الإسلامية» التي ترعى أكثر من أربعة آلاف يتيم.
وتخضع الحوالات الخاصة في قطاع غزة كافة للفحص الأمني من المخابرات الفلسطينية، بهدف مراقبة الأموال التي تصل إلى «حماس»، وفق ما يؤكد مصدر أمني في رام الله، موضحاً أنه جرى إغلاق الحسابات بالتدريج، حتى لا ينفجر غضب الناس تجاه السلطة.
من جهة أخرى، أكدت المتحدثة باسم الأيتام وأهالي الشهداء، شيرين خروب، لـ«الأخبار»، أن المساعدات المالية الخارجية تصل مباشرة من الكفيل إلى المستفيد في غزة، من دون وساطة أي طرف ثالث، لافتة إلى أن «الجمعيات التي أُغلقت حساباتها ما هي إلا مدخل للتواصل بين الكفيل واليتيم، ثم تصبح العلاقة مباشرة». واستنكرت خروب «الأسباب الواهية» التي يتخذها المصرف لإغلاق حسابات ما يزيد على 15 ألف يتيم وأهالي شهداء ومعاقين، موضحة أن «إدارة المصرف وسلطة النقد تجريان فحوصاً دورية على أسماء المستفيدين من المساعدات الخارجية للتأكد من دقة البيانات ومعرفة أوجه صرف تلك المساعدات».