سيناء | لم تكد تمر ثلاث ساعات على إصدار محكمة مصرية قراراً بإحالة أوراق الرئيس الأسبق، محمد مرسي، إلى المفتي من أجل أخذ الرأي الشرعي في تطبيق حكم الإعدام عليه، حتى استهدف مسلحون سيارة تقل أربعة من قضاة محاكم الجنح في العريش، شمال سيناء، بوابل من الرصاص، ما أسفر عن مقتل ثلاثة قضاة وسائق السيارة، فيما أصيب المستشار الرابع بجراح خطيرة، وهو ما يمهد لتحول نوعي في أسلوب العمليات المسلحة التي تستهدف قوات الشرطة والجيش في سيناء، منذ نحو ثلاث سنوات.


في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق ستة من جماعة «أنصار بيت المقدس ــ ولاية سيناء»، التي يظن أنها وراء الهجوم، قائلة إن من أعدموا كانوا قد أدينوا بشنّ «هجمات إرهابية» في القضية المعروفة إعلامياً بـ«عرب شركس»، وقد نظر فيها أمام القضاء العسكري بدرجتي تقاضي فحسب، كما جاء تنفيذ الحكم بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على الإعدام أمس.

تقرر بدءاً من اليوم تشديد الحراسة على المحاكم والقضاة

ونفذ المسلحون عملية استهداف القضاة في منطقة حي المساعيد على مدخل العريش الغربي، فيما كان من بين القضاة شقيق المساعد الأول لوزير العدل المستشار عمر مروان، والبقية وفق مصدر أمني من مدن مصرية مختلفة، وكانوا قد وصلوا بسياراتهم إلى محافظة الإسماعيلية، ثم تركوها هناك واستقلوا سيارات مجهزة ومؤمنة. وشرح المصدر الأمني لـ«الأخبار» أن الهدف من ترك السيارات الخاصة بالقضاة يعود إلى صعوبة تأمين كل قاض بمفرده، ولكن هذا يضع تساؤلات برسم السلطات عن كيفية مقتلهم.
يضيف المصدر إن «الإرهابيين كانوا يرصدون السيارة التي تقل القضاة وتتبعوها حتى وصلت إلى حي المساعيد (قبل مقر محكمة شمال سيناء بنحو 4 كلم)، ثم أجبروا سائقها على التوقف وارتكبوا الجريمة»، ولكن شهود عيان قالوا إن ثمة مدرعة كانت تسير خلف القضاة لتأمينهم وقد أطلقت رصاصاً نحو المهاجين، فيما أكد آخرون أن المدرعة دخلت شارعاً جانبياً ولم تصل إلى خط النهاية في تأمين القضاة.
اللافت في العملية أنه، برغم مرور أكثر من 24 ساعة على حدوثها، لم تتبنّها أي جهة (حتى كتابة النص)، ولكن الرد الرسمي بخلاف عملية الإعدام جاء على خطوات أخرى، منها قرار وزارة العدل نقل محاكم الجنح من العريش إلى الإسماعيلية بدعوى تأمين حياة القضاة «بعدما باتوا في مرمى نيران الإرهاب»، وهو القرار الذي أثار استياء المحامين في شمال سيناء، الذين رأوا أن هذا يعتبر انسحاباً للدولة من سيناء وانتصاراً لتنظيم «ولاية سيناء ــ أنصار بيت المقدس»، وتحقيقاً لأهم أهدافه وهو انسحاب مؤسسات الدولة الحيوية من هناك. يقول خبير التنمية المستدامة في سيناء، قدري العبد، إن نقل محاكم شمال سيناء هو انسحاب للدولة «التي يجب أن تتمسك بالمكان مهما كان الثمن»، مشيراً إلى تعرض شرائح مجتمعية كثيرة للخطر، «لكنها لم تعلن الرحيل»، في وقت يستمر فيه المنع الحكومي لشاحنات تقل مواد غذائية وطبية من الوصول إلى مدن الحدود منذ أيام.
في المقابل، أكد مصدر قضائي تحدث إلى «الأخبار» استمرار العمل في مجمع محاكم شمال سيناء إدارياً، على أن النقل «سيكون للجلسات فحسب»، مشيراً إلى أن «العدل» بانتظار تولي وزير جديد لها حتى تتم مناقشة الأمر وتداعياته، وخاصة أن القرار الصادر بنقل الجلسات «وقعه المستشار عزت خميس المكلف بتسيير الوزارة مؤقتاً»، بعد استقالة الوزير الأسبوع الماضي، على أنه جرى تكليف وزير العدالة الانتقالية، إبراهيم الهنيدي، أمس، بتولي زمام الأمور مؤقتاً. في السياق نفسه، دعت الرئاسة في بيان رسمي إلى «توفير كل سبل الحماية اللازمة للقضاة الذين يقومون بمهام أعمالهم النبيلة لنصرة الحق ورد الحقوق إلى أصحابها، ولا سيما أولئك الذين يعملون في المناطق التي تعاني من أعمال العنف والإرهاب». كما قرر مجلس القضاء الأعلى، برئاسة المستشار محمد عبد الرحيم، رئيس محكمة النقض، تشكيل لجنة تتولى بحث أفضل العروض المتوافرة «لعمل بوليصة تأمين جماعية على القضاة وأعضاء النيابة العامة، بالإضافة إلى إقرار مبدأ التوطن للقضاة وأعضاء النيابة العامة في تنقلاتهم، بما يتفق وحاجة العمل ومصلحته، وحسب سعة المحاكم وقوتها، وكذلك مخاطبة رئيس الوزراء لإقرار معاش استثنائي للقضاة الثلاثة الشهداء».
وفيما يفتح ذلك الباب لامتيازات جديدة للقضاة على غرار العسكر، فإنه أيضاً يفتح الباب لوضع القضاة في إطار الاستهداف، إذ شهدت عدة محاكم مصرية تفجيرات محدودة بقنابل بدائية الصنع، وهو ما حدث في بور سعيد والسادات، ما دفع وزير الداخلية إلى الطلب من مديري الأمن تكثيف الحراسة على المحاكم اعتباراً من اليوم (الاثنين) مع تزويد القوات المكلفة بتأمين المحاكم بالأسلحة التي تساعدهم على أداء عملهم.
في سياق متصل، فإن تنفيذ حكم الإعدام بحق الستة المدانين في قضية «عرب شركس»، لاقى ردود فعل كبيرة. ووفقاً لـ«الداخلية»، فإن المتهمين تم نقلهم من سجن العقرب، الشديد الحراسة، لتنفيذ حكم الإعدام، لكنهم «نهروا مسؤول (وزارة) الأوقاف الذي كان وقت تنفيذ الحكم لتلقينهم الشهادة»، مؤكدة أن المتهمين نفوا الاتهامات وانتقدوا النظام ووجهوا السباب للقائمين على تنفيذ الحكم فيهم. وهذا الحكم، هو الأول من نوعه لمتهمين في قضايا الإرهاب التي تنظر فيها محاكم القضاء العسكري، إذ يشتكي المحامون والمتهمون من إخلالها بمبادئ العدالة في الاستماع إلى الدفاع والمرافعات، بالإضافة إلى الغموض الذي يحيط بالجلسات ومنع وسائل الإعلام من حضورها، كما اعتبرت هذه الحالة من أسرع خطوات التقاضي، وخاصة أن الحكم بالإعدام صدر وتم تنفيذه في أقل من عام.
وكانت المحكمة العسكرية قد أسندت للمتهمين تهمة قتل ضابطين بالقوات المسلحة مع سبق الإصرار والترصد، بالإضافة إلى الاتفاق والتحريض في قتل ستة جنود من قوات الشرطة العسكرية في منطقة مدينة مسطرد.