رام الله | بينما كان عشرات الشبان في محاور الاشتباك في مدن الضفة المحتلة، وشرقي قطاع غزة، على مدار اليومين الماضيين، يواجهون الجنود الإسرائيليين برمز انتفاضتهم، الحجارة والزجاجات الحارقة، فإن هناك من آثر أن تكون مقاومته بطريقة إبداعية، وبصورة غير موسمية؛ هم نحو مئتي مشارك في حملة «تجوال سفر»، في مدن فلسطين على مبدأ «تجول في الأرض تمتلكها»، مع التأكيد أنه لولا الحواجز والجدران الاحتلالية التي تأكل الأرض على مهل، لوصلوا إلى غزة.


وقد وُلدت مجموعة «تجوال سفر» عام 2011، حينما قررت مجموعة صغيرة من الشباب أن تقيم تجوالها الأول في قرية صفّا غرب مدينة رام الله، وسط الضفة المحتلة، ثم استطاعت المجموعة خلال مدة قصيرة خلق تجمّع شبابي ثقافي، «الملتقى التربوي العربي»، نموذج لمؤسسة بديلة تعمل بتمويل محلي فلسطيني، وهي قائمة على التطوّع. انبثقت منها مجموعات صغيرة تهتم كل واحدة بمجال معين، منها «تجوال سفر»، وهي من أكثر المجموعات نشاطاً وتأثيراً، إذ ينضم في كل تجوال ما لا يقل عن عشرة شباب جدد، سافروا قرابة ستين مرة في المدن الفلسطينية المختلفة للتعرف إليها.
تتجول المجموعة كل شهر مرة أو مرتين في إحدى قرى أو مدن فلسطين، سواء الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وأحياناً السيطرة الإسرائيلية. ويتضمن برنامج التجوال مسار مشي، وجلسة حديث مع أهل البلدة التي يدخلون إليها، إضافة إلى عمل تطوعي لمساعدة الناس في كل قرية، مثل الزراعة، وبناء بيوت الطين، وتنظيف عيون الماء.
حسين شجاعية، أحد أقدم المتجولين، يقول: «تجولنا في الأرض وعملنا بها يزيد ارتباطنا بها، وهدفنا ليس السياحة، فالفرق أننا نبحث عن المعرفة وربط الفلسطينيين بعضهم ببعض، لأن وجود شباب وشابات فلسطينيين من كل المناطق الفلسطينية يزيد تماسك النسيج الاجتماعي»، بالإضافة إلى «أننا نسمع من أهل المناطق التي نزورها حكاياتهم ثم ننقلها إلى غيرهم».
يجمع التجوال الفلسطينيين من كل الأعمار والأطياف السياسية، ولكن ذلك لا ينعكس على الطابع العام للتجوال، الذي يشترط البعد عن الحزبية والشعارات، ويستبدل بذلك نشاطات أخرى كالأغاني الشعبية الفلسطينية، والأكل الجماعي، وشراء المنتجات الفلسطينية وتبادلها، والنقاشات التاريخية والثقافية والفروق الاجتماعية بين المناطق.
ولعل أكثر ما يزعج جنود الاحتلال الذين يحاولون عرقلة سير هؤلاء، هو اجتماع المتجولين الفلسطينيين من مختلف المناطق في بقعة واحدة. يستذكر شجاعية تجوالهم في بلدة كفر الديك حينما صادر الاحتلال بطاقات الهوية لمعظم الشبان المشاركين، إلى جانب الاعتداءات الأخرى من المستوطنين.
وأخيراً، أقامت المجموعة نشاط «مجاورة من نهرها لبحرها» بالتزامن مع الذكرى الـ 67 للنكبة، ويدعون فيها إلى التخييم ثلاثة أيام في حرج جبل النجمة في رام الله، للحديث عن التبعات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تراكمت في الوعي الجمعي للفلسطينيين، نتيجة الفصل الجغرافي والسياسي الذي سبّبه الاحتلال بين أماكن وجودهم.
«تجوال سفر» مقاومة من نوع آخر، فالفرح في التجوال مقاومة، والتعب في التجوال مقاومة، والمواظبة على التجوال أيضاً مقاومة. عادة يختم المتجولون تجوالهم بنشيد التجوال: «حب الأرض وغنيها، بتغنيها بتغنيها... أحلى أرض بكل الأرض، الأرض اللي بنمشي فيها».