يبدو ان الهوس بتدمير الاوابد التاريخية في المنطقة لم ينتهِ بعد، فبعد نحو الثلاثة اشهر على غزوة متحف الموصل، وجرف مدينتي الحضر والنمرود في العراق، وصل الخطر الى مدينة تدمر الأثرية في البادية السورية، مع اقتراب تنظيم «داعش» من المدينة خلال نهاية الاسبوع، قبل تراجعه بفعل المواجهات مع الجيش السوري.


وإذا كانت الاضرار في الثروة التاريخية حصيلة حتمية لكل الحروب تقريباً، فإن ما يحصل في العراق وسوريا على يد التنظيمات الاسلامية عامة، لا «داعش» فقط، هو امر ممنهج وواعٍ، لا يخدم فقط اجندة مالية تعتمد على الاتجار غير المشروع بالاثار، كمصدر من مصادر التمويل، بل يتعداها الى مكون عقائدي فاقع أيضا.
بقي موقع تدمر الاثري بعيداً نسبياً عن اضرار المواجهات منذ بداية الحرب السورية، واقتصرت الاضرار على بعض الامور الطفيفة، وخاصة في معبد «بل» ووادي القبور ومعسكر «ديوكليتيان»، او في الواحة على نحو عام. تمثلت الاضرار في تضرّر بعض الجدران الداخلية والخارجية لمعبد «بل»، والحفريات السرية في اكثر من نقطة، اضافة الى البناء غير المشروع في حرم الموقع، وحرائق في الواحة. ومع هذا يمكن القول ان الموقع بقي محفوظاً على نحو كبير، وخاصة مقارنةً بمواقع أخرى في سوريا.
عزّزت هذه الحماية اجراءات اتخذتها مديرية الاثار السورية لحماية الموقع، فعملت على تقوية مداخل المدافن الجنائزية وطمرها، إضافة الى نقل محتويات متحف تدمر الى مكان امن، واستردت حوالى 120 قطعة اثرية منهوبة. وكان للتواصل مع المجتمع المحلي دور في الحد من المخاطر، وهو ما جرى اختباره في اكثر من منطقة، كبصرى مثلاً.
يعود أقدم وجود بشري على التل الذي تقوم عليه تدمر كواحة إلى الالف السابع قبل الميلاد، وذكرت المدينة للمرة الاولى كتابةً في الالف الثاني قبل الميلاد (القرن التاسع عشر ق.م) مرتين في وثائق تعود لاحدى المستعمرات الاشورية في كبدوقيا (اسيا الصغرى)، ومرات عدة في الارشيف الملكي لمدينة ماري (الثامن عشر ق.م)، ومدونات عيمار (الرابع عشر ق.م)، وصولاً الى المدونات الاشورية (الحادي عشر ق.م)، حيث توصف بـ«تدمر الصحراء» ملاذ اللصوص الاراميين الذين يفخر تغلات بلاصر الاول (1115-1077) بانه لاحقهم الى ما وراء النهر (الفرات) ونهب بلادهم. بعد هجوم تغلات بلاصر الذي تتحدث عنه المصادر الاشورية سيخبو ذكر تدمر لحوالى الالف عام، لنعود ونقرأ عنها في في المصادر الرومانية سنة 41 ق.م عندما هاجمها الامبراطور الروماني «انطونيوس» محاولاً نهبها، ففرّ سكانها الى ضفة الفرات الاخرى.
ضُمّت المدينة الى الامبراطورية الرومانية سنة 19 بعد المسيح، خلال حكم الامبراطور «طيبيريوس». اذاً منذ هذا العهد، وتدمر مدينة من مدن الامبراطورية، وتخضع لحاكم سوريا المقيم في انطاكيا، فهي ليست اذاً مدينة اجنبية عن الامبراطورية، او مملكة-زبونة لها، ولم تكن يوماً مملكة في الاصل، بل مدينة رومانية ستتبنى بنية مؤسساتية على طراز المدن الهيلينية في الامبراطورية الرومانية، مع احتفاظها بخصائص مميزة. بعد زيارة الامبراطور «ادريان» لها سنة 129 اتخذت المدينة لقب «Hadriana Palmyra»، مع ما يعنيه اللقب من منح مالية خاصة من الامبراطور، قبل ان تكتسب وضع المستعمرة الرومانية (colonie romaine) في بداية القرن الثالث، ابان حكم «سبتيموس ساويروس» أو «كاراكالا». من الخصائص التي تمتعت بها تدمر في هذه الحقبة امتلاكها اراضي واسعة، كلفت الامبراطورية نفسها عناء تحديدها لاسباب ضريبية على الارجح، اضافة الى احتفاظها بقوات عسكرية بقيادة تدمرية، وكان انتشارها يصل شرقاً الى خارج حدود الامبراطورية.
لا نعرف شيئاً عن التنظيم السياسي، الاقتصادي والاجتماعي للمدينة قبل الحقبة الرومانية، كما نجهل التاريخ الدقيق لتبني تدمر للمؤسسات المدنية التي تجعل منها مدينة (polis) يونانية التنظيم. اما بين نهاية القرن الاول وبداية القرن الثالث، فأصبحت تدمر تملك المؤسسات نفسها التي تملكها المدن ذات التنظيم اليوناني في سوريا واسيا الصغرى، بينها المجلس، والتصويت على القرارات، التي كانت الى جانب النص اليوناني تترجم الى اللغة المحلية، وهو ما يمثّل حالة فريدة. وفي بداية القرن الثالث، حصلت تدمر على وضع المستعمرة الرومانية مع اعفاء مبدئي من الضرائب. اشارة الى الوجود العسكري المهم في تدمر كمدينة حدودية، فكان الوجود العسكري الروماني قوياً فيها، كما اعطت المدينة لروما جنوداً عملوا في اكثر من مكان، بينها في دورا اوروبوس، ابتداء من سنة 208.
لا بد من الاشارة الى اذينة، وهو باختصار قائد عسكري برز خلال المرحلة المضطربة، وخاصة بعد هزيمة الرومان امان الساسانيين بقيادة «شهبور» الاول، واسر الامبراطور الروماني «فاليريان» في اوديسا سنة 259. بعد اذينة استغلت ارملته زنوبيا وابنها وهب اللات مرحلة الفوضى العسكرية التي شهدتها الامبراطورية (235-284) للتوسع باتجاه الساحل السوري ومصر، اضافة الى اسيا الصغرى. تزامن صعود سلطة زنوبيا مع وصول امبراطور قوي ومصمم على بسط سلطته على كل الامبراطورية، فانتهى الامر بمحاصرة تدمر واستسلام زنوبيا، واقتيادها الى روما في 272.
بعدها بسنة قامت ثورة بقيادة احد افراد عائلة زنوبيا، ادت الى تدمير القسم غير الروماني من المدينة. بعد هذا التاريخ تقلص دور المدينة تاريخيا، بالرغم من كون جوستينيانوس قد رمم السور وأسكن فيها حامية، لم تدفع عنها الغزو العربي فسقطت بيد خالد ابن الوليد سنة 634، وانتهى بذلك تاريخها الهليني الروماني.
في الواقع فان المعلومات عن المدينة بدأت تتغير منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، فالملاحظة القديمة المتعلقة بعدم انتظام الخريطة العمرانية للمدينة الرومانية، ما يفترض وجود معالم مدينة اقدم، جرى تأكيد صحتها عبر المسح الاثري-المغناطيسي (Prospection archéomagnétique)، إضافة الى عمليات سبر اظهرت عناصر ديكور وسيراميك هيلينية أو اقدم.
عرفت تدمر اوج ازدهارها العمراني في مطلع القرن الثالث، وتعود اغلبية اثار المدينة التي يمكن مشاهدتها حالياً الى الفترة الرومانية، ومنها معبد الاله «بل»، المربع الشكل، الذي تبلغ مقاساته 205*210 امتار. يعود البناء بشكله الحالي الى القرنين الاول والثاني، اي هو بني على مراحل. يمكن تحديد تاريخ تكريس المعبد بدقة (6 نيسان سنة 32 ميلادية) وذلك بفضل كتابة مكتشفة، الا ان العمل به بدأ قبل هذا التاريخ، اذ تشير بعض الكتابات الى تقدمات للمعبد تعود الى سنة 17. وتتابعت الاعمال بعدها، كأروقة الاعمدة، التي بنيت بعد سنة 50، او بهو المعبد حوالى سنة 80، ومداخل المقدس التي بنيت في عهد «ادريان» (117-138). تعطي المشاهدة السطحية الانطباع – الخاطئ - بأننا امام معبد يوناني كلاسيكي، لكن الواقع أننا امام معبد يتجاور فيه الديكور اليوناني-الروماني، مع عناصر محلية غريبة عنه، وخاصة لجهة تنظيم المعبد من الداخل.
العنصر الثاني المهم في تدمر هو الطريق المؤدية من المعبد الى المدينة القديمة، ويمتد بناؤها بين بداية القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث، وهي محاطة بأعمدة جميلة تميز طرق المدن الرومانية الشرقية حتى القرن الرابع، كأفاميا، وانطاكيا وأفسس، اضافة الى النصب الرباعي الاعمدة (tetrapyle)، والمسرح أو معسكر «ديوكليتيان».

عالم الأموات

يمثل عالم الاموات خاصية تدمرية اخرى، اذ من النادر ان يكون حضور المدافن لافتاً في مدينة قديمة كما هو الحال في تدمر، مع اكثر من 150 مدفناً موجوداً حتى الان، يقسمها علماء الاثار الى اربع مجموعات، ومنها المدافن الفردية، والبرجية ومدافن تحت الارض (hypogée). تفيدنا المنحوتات والتماثيل التي وجدت داخلها عن الحياة الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي في تدمر، من خلال التماثيل النصفية الرائعة، التي تخلّد سكان هذه القبور وعائلاتهم وخدمهم احياناً.
تمثّل تدمر اذاً درة رائعة في البادية السورية، مدرجة على قائمة الاونيسكو للتراث العالمي منذ عام 1980، وسيكون اي ضرر قد تتعرض له، ومن باب اولى اي تدمير ممنهج، كارثة اثرية وتاريخية إضافية بعد كل ما لحق بالثروة الاثرية السورية، ومناسبة اضافية لاطلاق مبادرة لتحييد هذه الاماكن عن الصراع بقدر الامكان.