"نظرتُ إليه بعيون حزينة: طيب إوعدني بإشي.

ابتسم وقال: اللي بدك إياه..
تستشهدش. وانفجرتُ باكيةً.
ربت على كتفي: هبلة إنتي، هبلة.
طيب إوعدني
قال وما زال مبتسماً: طيب بوعدك. يلا روحي غسلي وجهك"
( أنور حامد، رواية "جنين 2002")


هذا ما طلبته أريج القاطنة في مخيم جنين من أخيها الذي يتنقل ثائراً بين أزقة المخيم أثناء حصاره عام 2002. لم تطلب منه إلا وعداً بالبقاء، ومِمَّن؟ من شاب فلسطيني، ابن مخيم، لا يعرف متى قد ترديه رصاصة الاحتلال شهيداً على أطلال نكبته الأولى.

إن مثل هذه الوعود لا تصلح أن تُكتب في سجلات الوفاء بالعهود أو الحنث بها، إنها وعود أسمى من أن تخضع لما ستؤول إليه، يكفي هذي الوعود شرفاً أن تحاول المكوث على قيد الحياة في حنايا ذاكرة مخضبة بالتهجير والقتل الجماعي منذ نكبة عام 1948.
أريج التي تطلب وعداً من أحدهم بعدم مغادرة الحياة، لم تكن تدرك بعد سرّ وجود المخيم. كان المخيم بالنسبة إليها مجرد فضاء سكني، يعيش فيه مجتمع فلسطيني. آآه يا أريج! أنت ابنة آلاف الرجال والنساء الذين لم يستطيعوا أن يفوا بوعود بقائهم إثر نكبتنا الكبيرة. أريج! يا ابنة القرية الفلسطينية التي أُحرق قمحها على أجسادنا ليضيء درباً للعابرين. أنت يا أريج ابنة بيت مهجر، كان مشيداً بواسطة مواد بناء هشة. كنا نثق بهشاشة بيوتنا، لأنه لم يخطر ببالنا أن نغادرها يوماً، وعندما حان موعد الهجرة، أغلقت الجدة البيت بالمفتاح الحديدي الضخم، وخبّأت في صرة أمتعتها الذهب الذي قد تحتاج إليه عند عودتها، لأنها لن تغيب إلا بضعة أيام عن بيتها.
وها هي جدتك يا أريج تجلس على باب بيتها في المخيم، يتأمل تجاعيد وجهها فتية المخيم بتساؤل واستغراب، تلقي عليها عجوز أخرى التحية بغصة طُعنت منذ ما يزيد على خمسة وستين عاماً، وكأنها بجلستها أمام بيتها في المخيم تنتظر أحدهم ينادي بالناس، ويقول لهم: احزموا أمتعتكم، حان وقت العودة إلى بلادنا!
عندما هُجّرنا من قريتنا وسلكنا الطريق الجبلي الوعر، وأقمنا خيامنا فيه، قلنا لأنفسنا سنرجع بعد أيام قليلة، وينقذنا جيش الإنقاذ، خدعونا! لم يكن هناك جيش إنقاذ ولا جيش بطيخ. ما لبث أن تغيّر الطريق الوعر المؤقت إلى ملجأ ومستقر لنا، فتحولت الخيمة إلى قطع طوب وألواح زينكو، فصارت البلاد مخيماً.
أرأيت يا أريج ما الذي يحطم وعود البقاء؟ لو أنك استمعت إلى جدتك مرة واحدة، لما طلبت من أخيك أن يعدك بأن يبقى حياً ولا يستشهد. وحدها جدتك التي ماتت في المخيم، وهي تحلم بالعودة، تعرف أن وعدك ليس إلا طيش فتاة بريئة. جدتك مستودع من حكايا النكبة التي لا تنضب. ألم ترَي ذلك في فسيفساء ثوبها الحالك السواد، والمطرز بالورد والقمح؟ قمح بلادنا وورد أرضنا. ألم تبصري وطناً بعيداً وضائعاً في عينيها الشاحبتين؟
والآن يا أريج، ها قد استشهد أخوك الذي أمرته بألا يستشهد، واستشهد بجانبه الشاب الذي أحببته في صباك وبراءة مراهقتك. لم يفِ أخوك بوعده! أصابته رصاصات جنود الاحتلال الذين ينبشون ذاكرة المخيم ببنادقهم المرتخية، صنعوا الركام ليثيروا الغبار القاتل، هذا الغبار الذي قتل جدتك. أكنتِ تظنين أن قتل جدتك مجرد وحشية عشوائية؟! لا يا صغيرتي. فهؤلاء الذين فشل أجدادهم من العصابات الصهيونية في إعدام جداتنا أيام بلادنا ونكبتها، إنهم يعودون الآن ليقتلونا، ليقتلوا ما تبقى من ذاكرتنا الحية، وجدتك جزءٌ من ذاكرتنا.
أنا أعرف يا أريج أنك لن تنسي حكايات جدتك رغم موتها. أعرف أن أحرف جملها المتهدجة ما زالت ترن في أذنك وسيبقى صداها في عقلك. أعرف أنك تصورين البلاد الضائعة في عقلك وتتخيلينها كما صورتها لك كلمات الجدة في حكاياتها، وأعرف أنك لن تنسي حسرات جدتك على ما ضاع، وخصوصاً عندما كانت تقول لك عبارة: "أيام البلاد...".