تخيّل أن تطأ قدمك الأرض التي هجرها أهلك غصباً عنهم منذ 67 عاماً، أو أنك تتجول في الدار التي ولد فيها والدك، وورثها بدوره عن أبيه. تخيّل أنك عدت إلى فلسطين، إلى القرى التي تحفظ أسماءها عن ظهر قلب. أو لنكن أدق، تخيّل أنك عدت إلى الأماكن التي لطالما حدّثك والدك اللاجئ عنها.


هذا ما فعله بعض اللاجئين الفلسطينيين الذين استطاعوا الحصول على جنسيات ثانية، مكّنتهم من العودة، ولو مؤقتاً، إلى أرضهم وأرض أبائهم. غيداء الجشي عادت إلى ترشيحا وقضت فيها ما يقارب أسبوعاً. أبناء القرية كانوا بانتظار الجشي، وذلك بعد تنسيقها مع «حركة أبناء ترشيحا»، التي تعمل على ربط كل «ترشحاني بقريته» كما يقول حسام عرار المسؤول في الحركة. ويقول عرار إن الحركة أطلقت «حملة يلا ع ترشيحا»، وذلك «لتمكين كل ترشحاني يمتلك جنسية أخرى من العودة إلى دياره، ولو مؤقتاً». أضاف: «من النشاطات التي تنتظر العائدين زراعة التبغ (أشهر زراعات ترشيحا)، بالإضافة إلى غرس شجرة زيتون في أرض العائد».
في ترشيحا تولى أبناء القرية تعريف الجشي بجذورها. أخذوها إلى دار جدّها. دخلت المنزل الذي يسكنه أناس من القرية. طافت الجشي حول المنزل. مررت يدها على جدرانه، كفتاة تلمس وجه أبيها. تعترف السيدة الثلاثينية بأنها لم تستطع الإمساك بدموعها «ولو أمكنني احتضان جدران المنزل لفعلت، لكنني تمالكت نفسي ولم أبك ملء قلبي بسبب الناس الموجودين حولي». تضيف: «عندما دخلت إلى المنزل شعرت بالضيق والحزن، فهذا منزل جدي». وبرغم تضارب مشاعرها، إلا أن الجشي استمتعت بضيافة قاطني المنزل. وبما أن ترشيحا معروفة بزراعة أهلها للتبغ، زرعت الجشي شتلة تبغ «كما كان يفعل جدي». مرت الأيام الستة بسرعة، لكن وعدت السيدة الفلسطينية سكان ترشيحا بأنها ستعود مجدداً، لكن «هذه المرة سيرافقني والدي ووالدتي وأولادي»، كما تقول. أما كيف اختمرت فكرة زيارة فلسطين في رأسها، فتجيب: «لدي صديقة تزور فلسطين بنحو متكرر، وعند عودتها كانت تحدّثني عن تجربتها». تضيف: «وكنت أتابع على الفايسبوك صفحة لأبناء القرية، وكنت أرى ترحيبهم بالعائدين إلى القرية، لذلك تحمست وقررت زيارة فلسطين». وتقول إنها عندما طرحت الفكرة على العائلة «رفضوها خوفاً عليّ، ومما قد أواجهه في حال توقيفي». هكذا، حزمت الجشي حقائبها، وطارت من الدانمارك إلى تركيا، ومن هناك إلى «إسرائيل». حطت في مطار اللد (بن غوريون) استقبلتها لافتة كتب عليها «أهلاً وسهلاً بك في إسرائيل»، تقول حتى هذه اللحظة «لم أصدق أنني في فلسطين». تمرّ لحظات حتى تستدعى إلى التحقيق. تسألها المسؤولة عن التحقيق أين ولدت، فتجيب: «الإمارات». ثم تسألها: «وأين ولد والدك؟»، تجيب: «لبنان». ثم تسألها: أين ولدت أمك؟ تجيب: «لبنان». ثم تسألها: «جذورك»، فتجيب الجشي: «فلسطينية». تنتفض المحققة هنا، وتقول: «كيف تكونين فلسطينية وأبوك وأمك ولدا في لبنان وأنت في الإمارات؟». تجيب: «سألتِني عن جذوري. جدي ولد في فلسطين، وهو فلسطيني، وجدي هو جذوري، لذلك أنا فلسطينية». مرت الحادثة. سمح للجشي بالدخول إلى فلسطين. اليوم تتذكر الجشي زيارتها وتقول إنها اكتشفت أن سكان الداخل أشبه «بالأم التي فقدت أولادها (اللاجئين)، وعندما يرون أحداً منا، فهم يتصرفون بحنان معه».
لم تكن الجشي الأولى التي تزور ترشيحا، إذ سبقتها وفاء قبلاوي الفلسطينية الحاملة للجنسية الكندية. زارت قبلاوي وحدها فلسطين العام الماضي، وقضت فيها 10 أيام في ترشيحا. لم تكن قبلاوي متشجعة للزيارة «بسبب ما نسمعه من استفزازات يتعرض لها المسافر»، كما تقول. لكنها، بتشجيع من أصدقاء يعيشون «في الأراضي المحتلة، بدأت الفكرة بالزيارة تتبلور بصورة جدية، والفكرة بدأت جدياً بالتخطيط لها منذ نحو سنة». حجزت قبلاوي تذكرة السفر قبل شهرين من موعد الزيارة، وطوال تلك الفترة عاشت حالة من التوتر خوفاً من عدم السماح لها بالدخول، لأنها من مواليد مخيم برج البراجنة. وصلت قبلاوي إلى مطار اللد، واستقبلتها العبارة نفسها. لم تسمح قبلاوي بأن توترها رؤية محتل أرضها، فالأهم بالنسبة إليها كانت «رؤية ترشيحا مسقط رأس والديّ وجدودي حلم حياتي، إذ حدثني الوالد والوالدة كثيراً عن ترشيحا». تقول: «أول ما شفت كلمة أهلا وسهلا في إسرائيل في المطار أحسست بغصة كبيرة وقلت: شو بيعملو هدول هون؟ هاي فلسطين مش إسرائيل». تضيف: «لكن كان عليّ أن أغض البصر عنهم وكأني لا أراهم».
في ترشيحا وجدت قبلاوي أن مسقط رأس والدها لا يزال كما «كانوا يحدثونني عنها، بل أجمل بكثير». سألت السيدة عن الأماكن التي حفظت أسماءها، مثل: «جعتون ووادي القرن والمجاهد، زرتها وكنت متأثرة جداً». حاولت قبلاوي الاستفسار عن منزل والدها، فوجدته مدمراً وبُنيت على أنقاضه مدرسة. أما بيت والد أمها، فقد تهدم، ويوجد مكانه الآن بيت لناس عرب ساكنين فيه حالياً. أما منزل جدها لجهة أبيها ودكانه، فلا يزالان موجودين. «رأيت الدكان ولمست الباب». تقول قبلاوي إن المنزل يسكنه الآن عرب، «حزنت في سري وكنت سأقول: «هاي أرض جدي»، لكنني سكتت لأن الذنب ليس ذنبهم». أمضت قبلاوي أيامها العشرة في الداخل الفلسطيني. زارت القدس، بيت لحم، عكا، حيفا، يافا، طبريا وهضبة الجولان المحتلة. أما ما تتذكره اليوم من رحلتها إلى فلسطين، فهو «ترشيحا وجمالها وجمال أهلها. هذا أول ما أتذكره. ترشيحا جميلة جداً، مهما وصفتها فلا يمكنني إعطاؤها حقها».