كلما تقدمت ستي "الحلوة" بالعمر اصبحت تتحدث اكثر عن فلسطين، وتحديداً عن الفترة الاولى لوجودها في لبنان. تحدثنا عن استشهاد النقيب اللبناني محمد زغيب اوائل شهر النكبة عام 48. تقول ستي انه اصيب خلال معركة في بلدة المالكية الحدودية، وبسبب عدم توافر مستشفى قريب اضطروا إلى الاستنجاد بفرقة اردنية من جيش الدفاع لنقله الى مستشفى بنت جبيل، الذي يبعد ساعتين، على حساباتها. جدي كان من بين الذين رفعوه على ظهر الشاحنة الاردنية، واستبسلوا، كما تذكر "الحلوة"، الى جانب الجنود اللبنانيين في المعارك ضد العصابات الصهيونية، برغم الاوامر المتخاذلة لقيادة جيش الانقاذ.


ابطال حكايات ستي من جميع الطوائف والجنسيات، فدروز حاصبيا مثلاً تدخلوا مرة لدى الدولة اللبنانية لاخراج جدي من الحبس. يومها احب ابو العباس- وهو اسمه الحركي- ان يؤدي دور بطل الاساطير الشعبية الإنكليزية «روبن هود». دخل الى المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية مع رفيق له، وسرقا "كذا" راس بقر، وباعاها داخل لبنان، ليقدما ثمنها إلى الثورة وإلى العائلات الفلسطينية، الا انه القي القبض عليهما فاضطرا إلى اعادة "الطرش" (الماشية) الى الاسرائيليين.
"الطرش اساساً للفلسطينية، نحن كان عنا شي مية راس، يعني هذول النا ومش غلط يرجعوا ونعمل فيهن الي بدنا ياه"، تبرر ستي.
لا نعرف الكثير عن تفاصيل "هجرة" عائلتنا من فلسطين، الا ان ستي على عكس معظم اللاجئين، لم تكن تطبخ حين طردها جنود جيش الانقاذ العربي من بيتها في غياب جدي. يبدو انها تهجرت في الصباح الباكر، فهي كانت بانتظار تخمر العجين ليصبح صالحا للخبز، لكن الغريب كيف ان معظم اللاجئين تهجروا في فترة الغداء! فاكثرية الجدات يخبرننا، انهن خففن النار تحت الطبخة، لان جيش الانقاذ اخبرهن انهن سيعُدن وعائلاتهن سريعاً الى فلسطين ..إلا ستي!
ربما كانت ستي الوحيدة التي لم تتفاخر بالبيارات التي امتلكها جدي قبل النكبة. "اي بيارات؟ كلها حاكورة زغيرة جنب البيت، زرع فيها شوية خضرا ونعنع". كان ابو العباس يعمل فلاحاً عند مصدّر انكليزي كبير، ويشرف على نقل بضاعته الى جنوب لبنان، حيث تعرف على جدي اللبناني. كنت اتحسر عندما يخبرني اصدقائي ان عائلاتهم كانت من كبار الملاكين في فلسطين. طيب يا عمي كيف؟ شوية عمليات حسابية بتطلع فلسطين من النيل الى الفرات على الاقل: هذا جده امتلك الف دونم، واخر خمسمية، واخرون كانت قرى باكملها ملكهم. وزوجي يقول ان جبل الكرمل لسيد سيدو (اي جد جده). ماشي، سيد سيدو- اي عبد الرحمن الحاج- كان عمدة حيفا في عشرينيات القرن الماضي، لكن ان يكون جبل الكرمل كله له؟ يعني كيف اقولها لكم؟ .. "تخينة".
شاب اخر من اصدقائنا يقول ان منشية يافا (الحديقة العامة) كانت لعائلته، ويسألنا "وين كنتو لما كنا نصدر بردقان للعالم؟". ويؤكد ان "حبة البرتقال في يافا كانت هيك»، ويكوّر كفيه مباعدا بينهما الى ما يشبه حجم البطيخة. "وحّد الله يا زلمة!! ما يافا كلها هالقد!"، قلت له وأنا اضم الابهام والسبابة ولا اترك بينهما من مسافة الا ما يشبه حجم حبة اللوز.
من الطبيعي ان تتداخل الاحداث في الذاكرة الجماعية بعد هذه السنين الطويلة. كأن تحدث قصة في قرية ما، ولكثرة تداولها يظن كثيرون انهم شهدوها. واذا كانت هذه النظرية صحيحة، فمن الطبيعي ان نسمع من نصف اللاجئين ان جارتهم اخذت مخدة بدل طفلها وهي تحاول الهرب، ما يجعل نصف الرضع بقوا في فلسطين، وأُخذت المخدات بدلا منهم! ومن الطبيعي بعد 67 عاماً ان يزيد كل جيل «شوية بهارات» على الوقائع، لتصبح البردقانة اكبر من يافا بحد ذاتها. والقصد هنا ليس التشكيك في الروايات المنقولة التي اثق بها، على الاقل، أكثر من كتب التاريخ، لكن من الضروري ان نبحث اكثر في التفاصيل، التي قد يغفلها جيل النكبة.
من المؤكد ان ستي اغفلت الكثير من التفاصيل والقصص، لانها تعتقد انها اخبرتنا إياها، وان كانت قد اخبرتني، على سبيل المثال، قصة الشهيد زغيب اربع مرات. او ان ابناء جيلها محوا من وعيهم التفاصيل المؤلمة وحتى العادية، ويريدون منا ان نؤمن بأن فلسطين كانت جنة، ولم يكن فيها فقراء من غير الملاكين، ولا مواطنون من الدرجة الثانية.. طبقيا على الاقل.
لكن على الاكيد ان البرتقال كان في أيديهم اكبر من يافا، تلك التي على الخريطة. والاكيد انه بعد 67 سنة "شحار وتعتير"، كما يقال "الله أجادهم انهم بعدهم متذكرين فلسطين!".