غزة | قريباً من تسعة أشهر، تكون المدة التي مضت على توقف الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، ولكن أبواب القطاع لا تزال موصدة في وجه أهله، وركام المنازل بالمعنى العملي لمشروع إعمار منطقة خرجت من حرب مدمرة، ظلت كما هي، تحمل معها علامات اليأس والإحباط على وجوه أصحابها.


قد لا يمكن إحصاء عديد التصريحات التي أطلقتها أطراف محلية وعربية ودولية بشأن بدء عملية الإعمار، ولكنها توجت أخيراً بدخول الوسيط القطري على خط الإعمار عبر منحة المليار دولار التي أعلنها في مؤتمر القاهرة لإعمار غزة، قبل عدة أشهر، فيما يؤكد المسؤولون أن إعمار ما خلفته هذه الحرب لم يبدأ، عدا بعض المشاريع التي كان مقرراً سابقاً البدء بها، ولا سيما ما نتج من حروب سابقة، علماً بأن إسرائيل دمرت في عدوانها الأخيرة ما يزيد على 17 ألف منزل منها 2500 منزل بصورة كلية.

الإسمنت المتعلق بمشاريع المنحة القطرية لم يدخل
منه شيء بعد

وكان السفير القطري إلى غزة، محمد العمادي، قد تحدث في آذار الماضي، عن تفاهم الدوحة مع الإسرائيليين لإدخال نحو 1000 طن من الإسمنت يومياً، ولكنها كانت «آلية جديدة لم يكن لها أي رصيد من الواقع»، كما يخبر بذلك مسؤولون في وزارة الاقتصاد. يؤكد مدير العلاقات العامة والإعلام في «الاقتصاد»، طارق لبد، أنه لم تجر زيادة في مواد البناء الداخلة إلى غزة أخيراً عبر المعابر مع الأراضي المحتلة، مقدراً حجم ما يدخل من 300 ــ 400 شاحنة يومياً، ولم يصل إلى ألف كما كان موعوداً.
أمّا عن الإسمنت الذي يدخل القطاع، فهو يتوزع على مشاريع المؤسسات الدولية في غزة من جهة، والمشاريع القطرية المتعلقة بالبنية التحتية التي تبرعت بها الدوحة في عهد الأمير حمد.
ويشدد لبد على أن الإسمنت المتعلق بمشاريع المنحة القطرية المقدمة للإعمار (بناء ألف وحدة) لم يدخل منها شيء بعد، مكملاً: «الزيادة التي يتحدث عنها الاحتلال تتعلق بزيادة بعض المواد التي تدخل للمؤسسات الدولية، وهي لا تراعي الزيادة العددية للسكان، لأن ما يدخل بالنسبة نفسها منذ ثماني سنوات».
التوجه نفسه يذهب إليه وزير الأشغال في حكومة التوافق، مفيد الحساينة، الذي قال إن الاحتلال لا يزال يمنع 50% من احتياجات غزة، ويوصل فرض قيود مشددة على عدة أصناف، متذرعاً بأسباب أمنية. وذكر أن الكميات التي تدخل «لا يمكن بدء عملية الإعمار بها، فهي أقل بكثير مما اتُّفق عليه».
ويبدو أن السبب الذي تعلق عليه الأزمة هو نفسه، إذ يرى الحساينة أنه رغم وجود مباحثات مع الإسرائيليين لبدء الإعمار الكلي، فإن الأمر مرهون بتسليم حركة «حماس» المعابر للسلطة. كذلك أكد الوزير أن المباحثات المشار إليها تستند إلى خطة المبعوث الأممي المنتهي عمله، روبرت سيري.
ووفق وكيل وزارة الأشغال في غزة، ناجي سرحان، تعتمد هذه الآلية على حسب ما يحتاج المتر المربع للإعمار من الإسمنت، وقد وافق عليها الجانب الإسرائيلي من حيث المبدأ مع وجود اختلافات حول الكميات، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن ذلك يجري بالتزامن مع إجراءات قطرية لإقناع الإسرائيليين بإدخال الإسمنت للبدء ببناء ألف وحدة سكنية.
ويرى مختصون أن الإعمار يرتبط ظاهرياً بقضية المعابر، لكن المشكلة السياسية بين السلطة في رام الله و«حماس» في غزة هي أساس الحل، إذ يقول مدير دائرة المعابر في السلطة، نظمي مهنا، إنه جرت توسعة معبر «كرم أبو سالم» (جنوب) ليضمن إدخال ألف شاحنة يومياً، و20 شاحنة للوقود، الأمر الذي لم يتم حتى هذه اللحظة، وفق وزارة الاقتصاد.
وفيما يؤكد مدير «كرم أبو سالم» في غزة، منير الغلبان، أن المعبر لم يشهد أي تحسن بشأن نوعية البضائع المسموح بدخولها أو الكميات، فإن مهنا (السلطة) يرى أن المشكلة تتعلق بتعنت «حماس» في تسليم المعابر.
وتسيطر إسرائيل على ستة معابر مع غزة، وقد أغلقت أربعة منها بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، فيما بقي معبرا (إيرز، شمال) لتنقل الأفراد، و(كرم أبو سالم، جنوب) لنقل البضائع.
وكان رئيس السلطة، محمود عباس، قد كلّف كمال الشرافي تولي لجنة الإشراف على الإعمار، بعد استقالة نائب رئيس وزراء حكومة التوافق محمد مصطفى، في وقت كشفت فيه مصادر لـ«الأخبار» عن وجود خلافات بين الشرافي، وبين حسين الشيخ الذي يتولى إدارة ملف الإعمار كلياً.
ويقر الشرافي في حديث إلى «الأخبار»، بوجود إشكالات وتحديات تتعلق بتسلم الحكومة مهماتها في إدارة المعابر بصورة مستقلة، فضلًا عن عقبات أخرى «تتمثل في تحريك الأموال التي أعلنها عدد من الدول العربية».
في المقابل، يقول القيادي في «حماس»، أحمد يوسف، إن عمل اللجنة القطرية مستمر، مشيراً إلى مشاريع يجري النقاش بشأنها. وكشف يوسف عن أن السفير القطري سيعود مجدداً إلى غزة لمتابعة تلك المشاريع.
وقد وثق الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، أرقام حركة الشاحنات من «أبو سالم»، إذ بلغت خلال الشهر الأول لوقف إطلاق النار 5031 شاحنة منها 3764 للقطاع الخاص و1267 للمساعدات. وأوضح الطباع أن متوسط عدد الشاحنات اليومية الواردة إلى قطاع غزة 163 فقط، كذلك جرى توريد كميات قليلة من الإسمنت لم تتجاوز 2196 طناً للمؤسسات الدولية، وهو ما نسبته 25% من احتياجات غزة اليومية.