قبل عدوان آل سعود، العسكري، على اليمن، كان ثمّة خلاف ثأري يحكم العلاقة بين قبيلتي خولان الطيال وبني بهلول. القبيلتان في العاصمة صنعاء وجوارها. لم يكن شيء، في العُرف القبلي، لينهي هذا الخلاف سوى الصُلح أو... الدم. لكن هذا «كان قبل العدوان السعودي». هذه جملة ستسمعها كثيراً هذه الأيام على ألسن يمنيين. ما قبل لن يكون كما بعد. القبيلتان، وعلى وقع المجازر التي حصلت، في الأيّام الأولى للعدوان السعودي، قررتا عقد اجتماع عاجل. النتيجة: «اتفاق على هدنة مدّتها 10 سنوات بغيّة التفرّغ لمواجهة العدوان السعودي». قد يبدو للبعض أن هذه مسألة عابرة.


لكن من يعرف اليمن، وطبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة، إلى حدّ بعيد، على المكوّن القبلي، بعاداته وتقالديه وأعرافه، سيُدرك أن المسألة ليست كذلك. أصبح لكثير من القبائل اليمنيّة، اليوم، ثارات شخصيّة مع آل سعود. يُقيم عبد الأهنوم، الآن، في صنعاء، تحت القصف. الشاب اليمني، العارف بالعقل القبلي، يجزم بأن «القبائل المُصابة بأبنائها لن تنسى ثأرها، حتى ولو جاءت دولة ووقّعت اتفاقيّة مع السعودية؛ فالثأر لن يسقط، ولا حتى بتعاقب الزمن. القبلي لا يفهم الآن سوى أن لديه دماءً عند آل سعود، ولا بد أن يثأر لها، ولن يهنأ له بال حتى ينتقم».

لقد أسّس آل سعود، بعدوانهم، لعداء أبدي وغضب ثأري في قلوب اليمنيين تجاههم

اليمنيون قحطانيّون، وهم، بحسب النسّابة، أصل العرب. قديماً قالت العرب: «الآخذ بثأر أبيه بعد أربعين سنة مستعجل». وقالت أيضاً: «الثأر نقطة دم لا تتعفّن». ليس الآن وقت محاكمة ثقافة الثأر، ولا أخذ موقف منها، سلباً أو إيجاباً، لكن هذا واقع اليمن اليوم. والنظرة إلى الواقع، بما هو واقع، تفيد بأن المجتمع اليمني محكوم بأكثريته الساحقة لعُرف القبيلة. هذا ما أجمع عليه الرحالة والباحثون، قديماً وحديثاً، والحال كذلك رغم كل محاولات الانتقال إلى المدنيّة، التي باءت بالفشل (تجربة الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي 1974 ـ 1977 مثالاً).
يمكن فهم شيء من هذه العلاقات الاجتماعية، المعقّدة والشائكة، والتي يتداخل فيها القبلي والسياسي والحزبي والمناطقي، وظاهرة الثأر على وجه الخصوص، من خلال رسالة الدكتوراه الشهيرة لليمني أحمد علي جندب (ظاهرة الثأر في المجتمعين اليمني والمصري).
حاشد وبكيل ومذحج وهمدان وحِميَر وسنحان وخولان وأرحب ويام... وقبائل وعشائر يصعب حصرها، من أصول ومن فروع، تداخل بعضها ببعض على مدى القرون، فظهر ما يُعرف بـ«الاتحاد القبلي». كذلك فرّقت الحروب، وأخيراً الحدود الدوليّة المستجدّة، بين أبناء القبيلة الواحدة، فأفرزت فروعاً متحالفة ومتحاربة، واليوم يُقال إنها باتت تزيد على 400 قبيلة. كثيرة هي القبائل اليمنية، اليوم، التي ترى أن السعودية أصبحت غريمتها، آل سعود تحديداً، تلك العائلة التي بات يُنظر إليها بأنّها ارتكبت ما يفوق «العيب الأسود» بمرّات.
هذا «العيب» في العُرف القبلي اليمني يشمل «الموبقات» الآتية: قتل القاتل في ظهر صلح، القتل الغدر، قتل أيّ شخص وهو مجرّد من السلاح ولو كان قاتلاً، قتل أي شخص حتى لو كان قاتلاً ومعه طفل في جواره، القتل في الليل، قتل القاتل وهو هجين بيت المقتول، فعل الكمين، اجتماع أكثر من واحد لقتل شخص، قتل كبير القوم، قتل المرأة، الثأر من طفل صغير. (تقريباً ما ترك آل سعود جرماً من جرائم «العيب الأسود» المذكورة إلا ارتكبوه بحق اليمنيين). آلاف الشهداء والجرحى، من أبناء القبائل اليمنيين المدنيين، سقطوا في العدوان، وبالتالي فإن حساب المعتدي قد أصبح كبيراً جداً.
لكل قبيلة يمنية ديوان خاص بها، يكون بمثابة الناطق الرسمي أو ممثلها أمام سائر القبائل، بل حتى أمام سلطات الحكومة الرسميّة. عبر الديوان يُحكم على مرتكب «العيب الأسود» بعد ثبوته بالنبذ وإهدار الدم. وفي حالات الديّات (أو التعويض) يحكم على المرتكب، وقبيلته معه، بحكم مغلّظ 11 مرّة (يُسمى محدش أو محدعش). هكذا، ما على آل سعود الآن إلا إحصاء «المحدشات» التي تنتظرهم. مثال على حضور هذا العُرف (العيب الأسود) في اليمن، قضية الدكتورة غادة الهبوب، التي تعرّضت قبل سنوات لاعتداء بالضرب وقطع الطريق عليها من قبل أحمد أبو هدره. ضج اليمن، ووسائل إعلامه، بهذه «السابقة». أصبحت قضية رأي عام. في نهاية المطاف أعلنت بكيل، قبيلة المعتدي، نبذه منها وإهدار دمه، فضلاً عن مسارعة مشائخها إلى تقديم الاعتذار من المعتدى عليها وقبيلتها (مذحج). إن كانت هذه هي الحال بين قبائل يمنية محليّة، فما بالك بمعتد من الخارج! لقد أسّس آل سعود، بعدوانهم، لعداء أبدي وغضب ثأري في قلوب اليمنيين تجاههم. هنا يتضح، أكثر، ما قاله الشاب الصنعاني، عبد الأهنوم، عن «ثأر لن ينتهي إلا بإسقاط آل سعود... مهما طال الزمن. هذه اللحظات التي نعيشها ستبقى خالدة في الوجدان والضمير إلى الأبد».
مسألة أخرى أعاد العدوان السعودي أحياءها في وعي القبائل اليمنيّة. إنها «الأرض السليبة» من اليمن التاريخي: نجران وجيزان وعسير. هذه المناطق التي احتلها عبد العزيز آل سعود، مطلع القرن الماضي، بمساعدة بريطانية، واستطاع بسط نفوذه عليها... إلا أنه لم يستطع اقتلاع ملكيّة هذه الأراضي الشاسعة من نفوس اليمنيين وذاكرتهم.
في وثيقة للسفير الأميركي السابق في اليمن، ستيفن سيش، مؤرخة بتاريخ 9/11/2009 (فترة حرب صعدة السادسة ـ أو حرب الخوبة) يذكر الآتي: «المنطقة المتنازع عليها في جبل الدخان هي رسمياً جزء من المملكة العربية السعودية، ولكن عندما رسمت الحدود في المنطقة، بين اليمن والسعودية، فإنها رسمت على الأراضي التي تنتمي بصورة تقليدية إلى قبيلة الزايدي اليمنية. وقد أخبر ضابط شرطة أنه بسبب كون الأراضي القبلية تتعدى الحدود الدولية، فإن القبائل الذين يقطنون تلك المناطق يعدّونها منطقة يمنية، حتى لو كانت رسمياً منطقة سعودية». ويضيف السفير سيش، في الوثيقة المرسلة إلى وزارة خارجية بلاده، والتي كانت من ضمن وثائق «ويكيليكس» المسرّبة، أنه: «في الوقت الذي يعتبر فيه أعضاء القبيلة، الذين تمتد أرضهم لتشمل البلدين، يعتبرون أنفسهم ينتمون إلى قبيلتهم في المقام الأول، ويعتبرون أنفسهم في المقام الثاني يمنيين، وليسوا سعوديين، بغض النظر عن الترسيم الرسمي للحدود». كان هذا قبل العدوان العسكري السعودي على اليمن!
سيكون على آل سعود، الآن، أن يستعدوا لسماع أسماء قبائل ومناطق وخلافات وملفات كان قد طواها الزمن. الآن، وبفعل العدوان، انبعث، وسينبعث كل ذلك وأكثر، إلى الضوء من جديد. سيكون عليهم حفظ اسم قبائل «همدان بن زايد» في شمال اليمن، بقيادة الشيخ عبد الله الرزامي، هذه القبيلة التي استطاعت قبل أيام قليلة اجتياز الحدود والسيطرة على موقع «المنارة» العسكري السعودي. كثيرون في العالم سيسمعون باسم قبيلة وايلة، التي تقطن منطقة كتاف، وآل أبو جبارة والبقع، وأكثرهم في تلك المناطق الحدودية. أما قبائل يام، وهؤلاء أكثرهم من الطائفة الاسماعيلية، ويُعرفون بالمكارمة، فيقطنون منطقة نجران (داخل الحدود السعودية) ومنطقتي خولان ومران (داخل اليمن). أبناء هذه المنطقة انتفضوا، قبل نحو 15 عاماً، في ما عرف بأحداث نجران، وحاصروا مقر إقامة «أمير» المنطقة مشعل بن سعود بن عبد العزيز، ولم ينته الأمر إلا بعد سقوط عشرات القتلى. كذلك قبائل مضاعة، وهؤلاء يمتد وجودهم من منطقة جيزان إلى وادي بيش (داخل الحدود السعودية). لكل هؤلاء، أو لفروع منهم، مشاكل قديمة ـ جديدة ومستجدة مع السعودية. أما بني مالك وبني حشيش، من صنعاء فصعدة إلى جيزان وعسير، فلهم حكايات أخر.
الأمر بدأ. لم يعد مجرّد تهديد ووعيد. ما تلك المواجهات التي تشهدها المناطق الحدودية، هذه الأيام، والقتلى الذين يسقطون من قوات حرس الحدود السعودي، إلا ترجمة لهذا الأمر. قبل أيام، ارتكبت الطائرات الحربية السعودية مجزرة بحق أسرة يمنية، من قبلية بكيل المير، أدّت إلى استشهاد 13 من أفرادها. «الوحدة الاجتماعية» في اليمن، بأغلبه، هي القبيلة لا الفرد. يعني عندما يُصاب فرد في القبيلة، فإن المُصاب يقع على القبيلة، بل وعلى من يحالفها من القبائل. قبيلة بكيل المير، ومن معها، كانت من الذين شاركوا في الهجوم الأخير على المواقع العسكرية السعودية. جاء في بيان صادر عن مشائخها: «لن نسكت عن الجريمة بحقنا، وسنقوم بالرد، وسنحرر جيزان من الاحتلال السعودي، هذه المنطقة التي ترضخ لاحتلال آل سعود من عقود من الزمن».
هكذا، ثمّة من يقول اليوم: لقد فتح آل سعود على أنفسهم أبواباً كثيرة جداً، لن تُغلق قبل أن تصل النار المنبعثة من «جرف سلمان» (جبال مران ــ صعدة) إلى «قصر سلمان» في الرياض.




لائحة المرتّبات الشهريّة

مع بداية الاحتجاجات الشعبية في اليمن، قبل نحو 4 سنوات، ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، خرجت أصوات تدعو إلى «يمن جديد» لا يكون محكوماً للقبيلة. اللافت أن هذه الأصوات، التي دعت إلى «مجتمع مدني» حديث، لم تستطع إلا أن تُقرّ بالدور الإيجابي للقبائل في الحراك الشعبي و«إنجاح الثورة». لن يكون هذا التناقض الأول ولا الأخير في تلك البلاد. القبلية، هناك، قويّة إلى حد أن لها مؤسسة حكومية ترعى مصالحها، وتنظّم علاقاتها، تُعرف بـ«مصلحة شؤون القبائل». مؤسسة فريدة من نوعها لا يُعثر على مثيل لها في العالم. عرف اليمنيون هذه «المصلحة» بمضمونها من القدم، ولكنها أخذت هذا الاسم، رسمياً، في ستينيات القرن الماضي، عقب «ثورة 26 سبتمبر» (التي أطاحت بالنظام الإمامي). ألغيت لاحقاً في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، ثم ما لبثت أن عادت مع الرئيس صالح، الذي استطاع أن يديرها، وأن يدير، بالتالي، القبائل بكيفية تناسب سياسته وبما يناسب «الجار السعودي». أصبحت «المصلحة» أحد أهم المصادر المالية ـ النفعية لشيوخ القبائل، واعتاد هؤلاء على المخصصات الشهرية، ضمن كشوفات تُرفع إلى الموظفين الحكوميين في كل المحافظات. كانت السعودية أكثر من استفادت من هذا الواقع، بعدما غذته عبر سياسة شراء الذمم، من خلال إنشائها ما عُرف بـ«اللجنة الخاصة». كان العمل علنياً. يذكر سنان أبو لحوم، شيخ مشايخ بكيل، في مذكراته، كيف كان آل سعود يمدّونه شخصياً، إضافة إلى آخرين، بالمرتبات الشهرية. ما من يمني إلا ويعرف حكاية «المخصصات السعودية» البالغة نحو 80 مليون دولار سنوياً لنافذي آل الأحمر في قبائل حاشد (وهذا ما يورده أيضاً غريغوري غوس - الخبير في الشؤون اليمنية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة «فرمونت» الأميركية).
بعد صالح، كثيرة هي الاقتراحات التي قُدّمت، وبعضها رفع باسم القانون، لإلغاء مصلحة القبائل المذكورة، غير أن كل تلك المحاولات سقطت، كما سقطت مثيلاتها سابقاً. القبلية في اليمن راسخة وقويّة... أقوى مما يمكن للبعض أن يتصوّر.