حتى اليوم شاركتني سيجارة الـ«سيدرز» في تغطية أحداث الحرب السورية. رافقتني بين تسع محافظات، وكثير من المدن والقرى، عبرَت حواجز (بأنواعها)، وتعرّفت إلى أسلحة ومسلحين. لا يبدو الأمر غريباً بالنسبة إلى السيجارة الشقيقة، هي التي خبرت الحرب ومعانيها قبل أن أولد. وللمفارقة، فقد بدأت العلاقة بيني وبينَها قبل اشتعال الشارع السوري بأشهر قليلة.


كنتُ قد أنهيت الخدمة الإلزامية التي جعلت من سيجارة «الحمراء» الوطنية رفيقتي، بفعل توافرها وشقيقاتها «الوطنيّات» في الندوات العسكرية دائماً، خلافاً لباقي أنواع السجائر المستوردة والمهرّبة. يعرفُ المدخّنون العتيقون أن العودة إلى السيجارة الأجنبيّة بعد اعتياد الوطنيّة أمرٌ صعب، وبسبب الحاجة الملحّة لحل وسط بين «الوطني» و«الأجنبي» كانت «السيدرز» ضرورة من ضرورات المرحلة. لا تُستوردُ «السيدرز» في سوريا، ما يعني أنّ الفضل يعودُ في كل سيجارة أتلذّذُ بها إلى أحد المهرّبين الأفاضل. أتمنّى أن يُكملوا معروفهم ويأخذوا سوق حلب في الاعتبار، كي لا أضطرّ إلى حمل مؤونة كبيرة مع كل زيارة إلى هناك. في دمشق يُمكن العثور عليها بقليل من العناء، أمّا في اللّاذقية فهي متوافرة على الدوام. وحتّى مع «التشديد» الأخير (وفقاً لمعظم باعة التبغ)، ما زال واحد منهم يتولّى تزويدي بين فترة وأخرى بعدد من «الكروزات»، مكرّراً في كل مرّة: «وصيتلك عليهم خصوصي من القرداحة يا أستاذ». واجهنا أنا وسيجارتي بعض المواقف الطريفة. على سبيل المثال، وعلى مدخل إحدى المدن عائداً من لبنان، قال عنصرٌ على الحاجز: «هات لنشوف وين الدخّانات؟». امتعض وكشّر لدى مرأى «سيدرز» وقال: «هلأ هاد اللي طلع معك؟ رايح ع بيروت لتجيب سيدرز؟ تاني مرّة جيب مالبورو (مارلبورو)». في حادثة أخرى، تلقّف سائق إحدى سيارات الأجرة السيجارة بنشوة غامرة «لسّة في منّو؟»، ثم أطلق تنهيدة طويلة وهو يحكي عن علاقتهما خلال خدمته الإلزاميّة في سنوات وجود الجيش السوري في لبنان: «كانت أيّام عز»، وشرع يحكي ويحكي عن بطولاته ومآثره خلال الخدمة: «كانت كلمة الواحد منّنا تهز لبنان. الله كريم وبترجع هديك الأيّام». للخياط أحمد ذكرياتٌ شبيهة، لكنّ تفاصيلها مختلفة، اعتاد أن يطالبني بسيجارة كلّما مررتُ به ليستعيد ذكريات قصة حبه الكبيرة في بيروت، يأخذ سحبةً عميقة، ثم يتنهّد ويسرح مبتسماً من دون أن يبوح بشيء. أمّا صديقي الحلبي الكهل أبو مروان، فما زال يرفضُ كلّ محاولاتي لإقناعه بـ«تجريب واحدة»، ويصرّ على ألّا يفعلَها قبل أن أخبرَه: «مين بينتج هالدخّان». أقول دائماً: «لبنان»، فيرد على الفور: «يعني مين؟ حزب الله؟ أو سعد الحريري؟». وبطبيعة الحال فقد ذهبت كل إجاباتي عن عدم علاقة أيّ منهما بالسيجارة سُدى، ردُّ أبو مروان جاهزٌ دائماً: «لا تقل لي الدولة، ما في دولة بلبنان، واضحة يا أستاذ: يا هدول يا هدول».
للأمانة، فإن أحداً من كلّ من يعرفني في البلاد لم يعتبر إدماني هذا النوع من التبغ أمراً معيباً، وحدَها صديقةٌ لبنانيّة سابقة كانت قد اعتادت القول في الأيّام الغابرة: «بشرفك غيّر هالدخّان، مش سامع بشي اسمو برستيج؟».