أعلن النظام السعودي أهداف عدوانه على اليمن بطريقة تجعل تحققها بمثابة هزيمة ساحقة لتنظيم «أنصار الله». لكن من رسم الخطة تجاهل أن الجماعة مكوّن رئيسي في هذا البلد، وأنه في صراعات كهذه، تكون الغلبة، في أحسن أحوالها، بالنقاط وليس بالهزيمة الكاملة. والسبب باختصار هو أنه يستحيل هزيمة الشعوب.

الى اليوم، مضت أسابيع ستة على العدوان، ولم يتحقق شيء من أهداف العدوان. النتائج تنحصر في القتل والدمار والمآسي الانسانية. وبالعكس من المقصود سعودياً، فإن الأفق لا يشي بأي مبادرة سياسية. ثم ليس هناك أي ضغط حقيقي لوقف العدوان. وأكثر ما وصلت اليه المساعي: هدنة إنسانية لمدة خمسة أيام قابلة للتجديد.

قرر آل سعود الهروب من الحقيقة. يصرّون على التعاطي مع الشعب اليمني بطريقة الهيمنة والاستعلاء، كما كانت عليه الحال منذ عقود طويلة. تجاهل آل سعود التغييرات الكبيرة التي حصلت، ورفضوا وقائع الانفتاح الذي استفاد منه الشعب اليمني بعد الثورة الشعبية على حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح. ربما يمكن القول إن الربيع العربي في شبه الجزيرة العربية تمثل في خروج الشعب اليمني من إطار الهيمنة السعودية. وربما هذا ما يشرح لنا سبب الاستماتة الشرسة في حرب آل سعود، والتي تريد إدارتها على طريقة الغالب والمغلوب، متجاهلين الحسابات السياسية والاقليمية وحتى الدولية والانسانية. وهم يتجاهلون الأبسط، في تجاهل أنهم لو فرضنا جدلاً أن بمقدور الرياض ليّ ذراع الشعب وسحق جيشه، فإن ذلك ليس لمصلحتها على المدى البعيد.
الآن، توجهت السعودية الى لعبة خداع أخرى. دعا آل سعود بعض الاطراف اليمنيين إلى إقامة حوار في الرياض. لكن الجميع يعرف مسبقاً أن الرياض نفسها باتت أمام خيارات ضيقة، وأمام ندرة في الحلول، خصوصاً أن معظم المكوّنات الرئيسية لن تشارك، من القبائل الكبيرة، وأبرزها بكيل وحاشد وهمدان وغيرها، الى الاحزاب الشمالية المنخرطة في الدفاع عن البلد مع الجيش وأنصار الله. لسان حال هؤلاء واضح: كيف نشارك في حوار تحت مظلة عاصمة العدوان، بينما صدمت السعودية برفض غالبية قوى الحراك الجنوبي المشاركة، في مقابل خرق قام به علي سالم البيض.
أما المشاركون فهم الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي وفريقه، والكل يجمع على أن هؤلاء لا يملكون أي حثيثية شعبية. أما الحزبان الناصري والاشتراكي، فقد تعرضا لأكبر حالة من التشظي والتشرذم داخل أطرهما القيادية بمجرد إعلان مشاركتهما. بقي حزب الاصلاح، أو الفرع اليمني من «الإخوان المسلمين»، وهذا فريق موضوع على لائحة الارهاب السعودية، فكيف سيشارك في حوار تحت رعايتها.
أما المسألة الجوهرية فهي أن برنامج الحوار غير موجود، والحاضرين ليس بينهم أي خصومة تستدعي الحوار، علماً بأن الحوار يكون عادة بين قوى مختلفة أو متصارعة، وتذهب إليه كخيار مفضل للبحث عن قواسم مشتركة تصاغ بطريقة تراعي مصالح هذه القوى حسب أحجامها.
وهذا ما يستدعي مساءلة بعض المشاركين: لقد شاركتم في حوارات داخلية، استمرت شهوراً عدة، وكدتم تصلون إلى اتفاق شامل، وتعرفون أن الذي عطّل الاتفاق هو الدولة المضيفة لكم الآن (السعودية)، وهذا ما أكده مبعوث الامم المتحدة السابق جمال بن عمر أمام مجلس الامن. فماذا أنتم بفاعلين الآن؟
ثم أليس غريباً القبول برعاية دولة تقوم طائراتها بقتل شعبكم، واستباحة سيادة أرضكم، وتدمير منشآتكم والبنى التحتية لبلدكم؟ ألا تدركون أنكم تقطعون بفعلتكم هذه أشرعة التلاقي والتواصل مع أبناء شعبكم ومكوّناته الرئيسية، وصار من الصعب توقع إمكانية معقولة لحوار وحلول؟
خلاصة القول إنه كما تعاطت السعودية بصوغ أهداف تتطلب هزيمة شعب، فهي تضع نفسها اليوم أمام الأزمة من جديد، بحيث تجعل من عدم تحقق أهداف عدوانها هزيمة لها، فلا خيارات جدية مطروحة ولا الاهداف واقعية، فما العمل معها؟