بانياس | على أبواب ذكراها السنوية الثانية، تسود مدينة طرطوس حالة إجماع شعبي على نسيان أحداث بانياس الدامية. المدينة المتنوعة طائفياً، كانت محطة أساسية من محطات تفاعلات الحرب السوريّة، في شهورها الأولى، بالتزامن مع أحداث درعا. لكن سرعان ما خيّم الهدوء عليها قبل أن تعود وتتصدر واجهة الأحداث، في أيار 2013، حيث شهدت اضطرابات ومعارك عنيفة دارت بين الجيش السوري و«لواء نصر الإسلام».


يومَها، نصب المسلّحون كميناً أدى إلى اختطاف سبعة عسكريين، تمّ تحريرهم لاحقاً، وأدّت المعارك إلى سقوط عشرات القتلى من المسلحين، وإلقاء القبض على العشرات منهم. منطقة رأس النبع، المتاخمة لبانياس على ساحل طرطوس (منطقة جبلية، بيوتها متلاصقة) كانت مكاناً ملائماً استغله المسلحون، حينها، واعتلوا سطوح المنازل من الناحية الشرقية، مهددين بقطع الأوتوستراد بين طرطوس واللاذقية. أمّا الشرارة فانطلقت من منطقة البيضا بالهجوم على حاجز للجيش، في محاولة لإشعال ما سمّي معركة «بركان الساحل».
بعد سنتين على تلك الأحدث، لا تختلف الحال في المدينة اليوم عن ريفها. فالمدينة الساحلية الصغيرة، رغم ما شهدته من أحداث، تعيش حالة من الاستقرار. المقاهي مكتظّة بروادها، الصيادون ينتظرون أرزاقهم.
محمّد (اسم مستعار)، أحد سكان المدينة، يعيد شريط الذاكرة، ويقول لـ«الأخبار»: «الخوف كان سيد الموقف. بدت بانياس تلك الأيام مدينة أشباح. خلت الشوارع وأقفلت المحال، وكثير من السكان غادروها. وحدها مصفاة بانياس، عصب المدينة، بقيت شعلتها مضاءة تُغذي الساحل بالكهرباء». وبدورها، تروي ليندا، مدرّسة في منطقة البيضا، شيئاً من منعكسات الأحداث الدامية: «المفارقة أن تصادف في الصف الواحد حالتين متناقضتين. في جلسة تعارف، أخبرنا أحد الطلاب أن والده مات في منطقة القوز ببانياس، وكان والده في صفوف المسلحين، فيما أخبرنا طالب آخر عن والده الذي مات بينما كان يقاتل في صفوف الجيش السوري». تضيف ليندا: «حاولنا قدر الإمكان استيعاب الطالبين، ومنع حدوث عداوة بينهما. المؤلم أن هذه الحالة تسري على سوريا كلها. كيف سيتعايش أطفالنا مستقبلا؟ هذا هو التحدي».

هنا قُتل نضال جنّود

شهد سوق الهال، جنوب المدينة، جريمة قتل نضال جنود في نيسان عام 2011. الشاب الذي كان ينقل محصوله إلى سوق بانياس قبل أن يُذبح وينكّل به، لتحتل مشاهد قتله شبكات التواصل الاجتماعي.


تعيش بانياس اليوم حالة من الاستقرار ساعية إلى نسيان ما جرى
يروي التاجر أبو علي لـ«الأخبار»: «ذبح على درج محلّي، لعلهم أرادوا ألا أعود إلى العمل، وسط ما كانوا يسمّونه إمارتهم الإسلامية. لكنني بعد دخول الجيش إلى بانياس وتأمين المدينة عدت إلى السوق، وبدأت أعيد تجارتي إلى ما كانت عليه. كثيرٌ من التجار خافوا بعد ما جرى، ونقلوا محالهم إلى القصور أو إلى منطقة حريصون (في الريف الشمالي للمدينة)، لكنني فضّلت البقاء هنا. هذا محلي وهو مصدر رزقي». «ما جرى في بانياس أضرّ بنا جميعاً» يقول الحاج عثمان، تاجر الجملة. ويضيف: «الكل لديه مطالب، ونعاني من فساد بعض مؤسسات الدولة، وموظفيها. لكن ما جرى لا هو ثورة ولا من يحزنون. الذين قتلوا وحرّضوا هم جماعة تابعة لعبد الحليم خدام، ابن هذه المدينة. كان من أهم أركان السلطة لمدّة أربعين عاماً، لم نرَ منه شيئاً إلا السمعة السيئة، والفساد. بعد الأحداث ركب الموجة، قصوره على الكورنيش شاهدة على فساده». يصرّ الحاج عثمان على ضرورة تناسي ما حصل: «لا نريد أن ننكأ الجراح، كلنا تضررنا. أنا كتاجر جملة معظم زبائني كانوا من أبناء الريف. اليوم، بعد الأحداث، خسرت عدداً من زبائني، وضاق مجال عملي نوعاً ما، لكن، كلّ الأمور تحل. الأمن والأمان نعمة كبرى».

الصيادون والمصفاة مستمرون في العمل

في ميناء صيادي السمك، على الكورنيش، يثابر الصيادون على تجهيز مراكبهم للخروج إلى البحر. يقول الحاج أحمد: «في فترة الأحداث توقفت عن العمل كلياً. وقتها دار الحديث عن استغلال البحر في جلب السلاح للمسلحين، أما الآن فلا شيء يضيّق علينا، نحن فقط نبلّغ مكتب خفر السواحل وقت المغادرة ووقت العودة. هنالك عملية مراقبة لحركة مراكب الصيد، لكن هذه الرقابة غير حادّة، وغير مزعجة نسبياً».
المدينة الساحلية، فيها أحد أهم المنشآت الحيوية السورية، مصفاة لتكرير النفط، ومحطة حرارية لتوليد الكهرباء، وميناء لتصدير النفط (حين كان يصدّر). يقول المهندس بهاء إن «المحطة تعمل باستطاعتها الكاملة لتأمين الكهرباء لعدة مناطق، وتقوم بدور بديل إذا ما خرجت إحدى المحطات عن الخدمة، كما حصل مع محطة محرّدة في حماة، عدّة مرات». ويضيف: «المحطة تعمل تحت خطة طوارئ قابلة للتغيير حسب الحاجة والظروف. نحن فخورون بأننا، وكادر الصيانة، نجحنا في أن نبقي المحطة تعمل بشكل كامل دون توقف. حتى في ذروة الأحداث التي شهدتها بانياس، كنا نعمل تحت التهديد بالاعتداء، واليوم نتحايل على مشاكل أخرى، كنقص الفيول».

مبادرات شبابية

تتزايد مبادرات الشباب في بانياس من أجل مساعدة مدينتهم على تضميد جراحها. ومن هؤلاء مجموعة أطلقت مهرجاناً ثقافياً تحت عنوان «خوابي»، بغية إعادة الانشطة الثقافية إلى المدينة، والاستفادة منها في رأب الصدوع التي خلّفتها الأحداث.