القاهرة | يجلس طارق ومحمود، وهما شابان في العقد الثالث، يتحدثان عن الارتفاع القريب لأسعار الكهرباء اعتباراً من تموز المقبل، وذلك خلال توجههما بـ«الأوتوبيس» المميز ــ (حافلة ذات تذكرة مضاعفة) بدلاً من «أوتوبيس» النقل العام، رغبة منهما في توقيع الحضور مبكراً دون تأخير بسبب التأخر المتكرر لحافلة الدولة.

شارك الركاب في الحديث الدائر وسط الزحام عن انتقاد الحكومة بسبب ارتفاع الأسعار مع بقاء الرواتب دون تعديل، فيما اشتكى آخرون من فساد الأطعمة في الثلاجات الخاصة بهم نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة.

وطرحت الحكومة المصرية قبل شهور قليلة مجموعة من مركبات النقل العام الجديدة لنقل الركاب ضمن خطة تحسين خطوط المواصلات، ولكن تذاكر الحافلات الجديدة تضاعفت، ما كبد الناس ضعف المبلغ المخصص للمواصلات شهرياً. أما بشأن العلاوة الرسمية، فإن الموظفين ينتظرون شهر تموز للحصول على زيادة حددها القانون بـ7% من أصل الراتب، مع أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم يعلن مقدار الزيادة في عيد العمال الماضي، كما جرت العادة.
يقول محمود لـ«الأخبار» إنه تزوج حديثاً في منزل عائلته بسبب عجزه عن استئجار شقة، إذ كان يتوقع تحسناً في الأجر الذي يتقاضاه من مستشفى القصر العيني حيث يعمل موظفاً مع زميله في الحسابات. ويشير الشاب إلى أن أفضل مرحلة كانت بالنسبة إلى الموظفين هي خلال حكم المجلس العسكري، وتحديداً بعد عزل حسني مبارك، حينما حصل كثيرون على تعيينات سريعة جراء بعض الاحتجاجات، ومن تلك اللحظة لم يحصل أي منهم على زيادة مالية مؤثرة، أي من ثلاث سنوات تقريباً.
ولا يخفي عدد من الموظفين أنهم يضطرون في المساء للعمل على سيارة أجرة أو حتى «توكتوك» لنقل البضاعة، ملقين بسخطهم على الرئيس الذي أيدوه بقوة، ولكنهم لم يروا من بعد لكن وصوله الرئاسة تحسناً في الأحوال.
ويقول محمود إنه لا يزال يبحث عن شقة في مشروع المليون وحدة التي أعلنها السيسي، مؤكداً أنه لم يعرف طريق التقديم حتى الآن ويرى تضارب الصحف في الموضوع. لكن صديقه طارق الذي يعيش في شقة صغيرة بالإيجار بمبلغ 100 دولار تقريباً ينظر إلى الأمور بطريقة مغايرة، فهو يرى أن السيسي يبذل مجهوداً كبيراً، لذا يجب الانتظار، متسائلاً: «هل يملك الرئيس مفتاحاً سحرياً لحل المشكلات كافة».
رغم ذلك، ينتقد الشاب الثاني موقف السيسي من زيادة أسعار الكهرباء، منتظراً التحسن الموعود في الرواتب بسبب «تصريحات الحكومة عن الاهتمام بمحدودي الدخل».
حتى في الساحات التجارية لا يختلف الوضع كثيراً، فأمام مسجد الحسين تقف سيدة تدعى حميدة، وهي امرأة في العقد الخامس من عمرها، تضع على وجهها قدراً من الماكياج لا بأس به، وتحاول به إخفاء علامات تقدم العمر. تمسك حميدة في يدها ثمانية جنيهات (دولار واحد) هي حصيلة ما باعته على مدار اليوم. وبرغم أن الساعة كانت تقترب من التاسعة مساءً في الحي الذي يشهد توافد مئات المصريين، فإنها لم تستطع إلا بيع حلية صغيرة من بين مئات القطع من الحلي والفضة المقلدة التي يشتهر بها الحي الشهير.
تقول المرأة إن البيع والشراء متوقفان في السوق، رغم وفود المصريين للزيارة، ولكنهم كما تقول لا ينفقون أي أموال في الشراء، بل يكتفون بزيارة المسجد والمغادرة سريعاً.
«يظهر الكرسي فيه حاجة، كنا بنحب السيسي قبل الرئاسة وبعد ما مسك مبقاش يعرفنا»، كلمات حميدة لم تكن معبرة عن واقع غالبية التجار الذين يحتفظون بصورة الرئيس على المحالّ التجارية الخاصة بهم، بينما يظهر آخرون خيبة أملهم بسبب رداءة حركة التجارة وإعادة السياح مرة أخرى.
وفي استطلاع رأي أجراه مركز «بصيرة» الشهر الماضي، قال المركز إن 89% من المصريين موافقون على أداء الرئيس في مقابل 4% غير موافقين، و7% لم يحددوا رأيهم بالموافقة أو الاعتراض. ولعل قراءة نتائج المركز بما لا يتصل بالانحيازات يشير إلى زيادة المتحفظين على أداء الرئيس بنسبة ليست قليلة، مع الأخذ في الاعتبار تراجع «التأييد المطلق» للسيسي، فضلاً عن أن الاستطلاع جرى على عينة عشوائية من محافظات مختلفة، الأمر الذي يعني أن نسب الاعتراض والتحفظ قد تكون أعلى في العاصمة ذات الكثافة السكانية الكبرى والمستوى التعليمي المرتفع.
اتجاه التحفظ على أداء السيسي يفسره أستاذ علم الاجتماع، فكري عبد الجواد، الذي يشير إلى وجود «تشتت في رؤية المواطنين إلى ما يحدث على الساحة السياسية داخلياً وخارجياً»، لافتاً إلى أن ثمة من يرى حتى الآن في السيسي البطل الذي يحقق الإنجازات... «بحفر قناة السويس الجديدة وإعادة المشاريع الضخمة للدولة مثل إنشاء العاصمة الجديدة، وأيضاً استعادته مكانة مصر دولياً، وهو أمر يرتبط بكرامة المواطن المصري التي تكون لها الأولوية أحياناً على توفير لقمة العيش». في المقابل، هناك آخرون يشعرون بأن أحوالهم لم تتحسن، ولكنهم لا ينقادون إلى الاعتراض، لأن «لديهم هاجساً من جماعة الإخوان المسلمين وعودتها إلى الحكم».
ويؤكد عبد الجواد أن شعبية الرئيس تتأثر عادة بأي قرارات مرتبطة بزيادة الأسعار، وهو ما حدث أكثر من مرة في الشهور القليلة الماضية، مشدداً على أن أي خطوات لرفع الدعم عن المواطنين دون تعويض محدودي الدخل «ستزيد الغضب وليس التحفظ على أداء السيسي، ما يهدد شعبيته في الشارع». وأضاف: «من طبيعة المصريين البحث عن بديل، بمعنى أن السيسي ليس له بديل يمكن أن يترشح أمامه في أي انتخابات مبكرة، وهو أمر لا بد من وضعه في الاعتبار، ما يعني أن الموافقة على تأييده قد تكون اضطرارية باعتبار النتيجة التي وضعها مبارك بمقولته الشهيرة (أنا أو الفوضى)».