سيناء | لم يعد خافياً أن وقائع جديدة بانتظار المشهد الميداني في سيناء، بعدما دخلت القيادتان السياسية والعسكرية في القاهرة لترسم ملامح حرب آتية بين قبيلتي الترابين والسواركة، في ظل تجاوب واضح مع الترابين مقابل صمت الحكومة والجيش عن مطالب السواركة، التي يحسب عدد من أبنائها على تنظيم «ولاية سيناء»، فرع «داعش» في مصر.

قد تكون الحكومة المصرية تسعى إلى استنساخ تجربة «الصحوات العشائرية» في العراق لاستنهاض القبائل لمحاربة «داعش»، وهي نجحت فعلاً في تحييد تلك القبائل عن دعم «ولاية سيناء» أو التساهل معهم كمرحلة أولى، ولكن مع اشتباك الترابين و«ولاية سيناء»، صار سهلاً اللعب على وتر القبلية لإذكاء الحرب بالوكالة.

تفاصيل القصة بدأت مع إصدار قبيلة الترابين عدة بيانات متتالية تدعو خلالها قبائل شرق العريش، في شمال سيناء، (السواركة والارميلات والتياها والاحيوات)، إلى مقاتلة «ولاية سيناء» التي «انتهكت واستباحت دماء الأبرياء»، ولكن تلك القبائل لم ترد الخوض في «حرب خاسرة»، نيابة عن آخرين، أكانوا «الترابين» التي تحارب لثأر شخصي، أم القوات المسلحة المنوط بها استكمال هذه الحرب التي بدأت قبل نحو عامين من الآن.
ولم تجد «المجموعة التي لا تمثل كل أبناء الترابين» حليفاً لها سوى بعض الأصدقاء، ليجتمعوا قبل أيام في مكان مجهول بعيداً عن عيون الإعلام، متراجعين بذلك عن عقد «مؤتمر جماهيري حاشد»، وذلك بحجة الحرص على سلامة الحاضرين حتى لا يتعرضوا للاستهداف من عناصر «الولاية» الذين يهددون، بل يقتلون كل من يتخابر مع الأمن، أو حتى يشك في تخابره.

أنكر «اتحاد قبائل سيناء» مشاركته في مؤتمر «مجموعة الترابين»

صفقة بين الحكومة والسواركة أفرجت عن 90 من أبناء القبيلة مع تسليح عناصرها

ومع انتهاء الاجتماع أول من أمس، صدر بيان «مجموعة الترابين» ليقول إن «اتحاد قبائل سيناء عقد اجتماعه الأول بحضور رموز قبائل سيناء لدراسة الموقف القائم بعد دخولها في مرحلة التصدي للجماعات المتطرفة، وكذلك الخطوات المقبلة التي سيسير عليها الاتحاد بالتنسيق مع الأجهزة المعنية ومؤسسات الدولة الرسمية». ولكن البيان لم يذكر أسماء قبائل بعينها «حفاظاً على تماسك المجتمع القبلي، والوقوف فى وجه محركي الفتن والداعين إليها»،
في النتائج المذكورة اتُّفق على تكوين مجموعتين من شباب القبائل لمواجهة «داعش»، مهمة الأولى جمع معلومات موثقة عن عناصره وأماكنهم وكذلك المخابئ السرية. أما الثانية، فهم متطوعون سيرافقون القوات المسلحة في الحملات العسكرية. وخلص الاجتماع إلى ضرورة ترشيح شخص من كل «ربع» في القبيلة، وعليه أن يحدد «العناصر المتطرفة» داخل «ربعه» ويبلغ عنهم، إلا أن «كل من انخرط داخل التنظيم ولم تلوث يده بالدماء، يتعهد الاتحاد بالوقوف معه ومساندته مادياً ومعنوياً وحمايته وأسرته، وتوفير مكان آمن له وعمل يوفر له حياة كريمة».
أما الآخرون، أي المتورطون، فإن دم كل واحد منهم «مشمس» لا يسأل عن دمه، وأصبح مطلوباً لدى «اتحاد القبائل»، وهو التحذير نفسه الذي أرسل إلى «ورش الحدادة المتورطة في تصنيع السيارات الخاصة بالجماعات الإرهابية أو تغيير ملامحها»، وكذلك «الضعفاء من أبناء البادية في مناطق الطاسه والجفجافه وأبو مراير ووادى الجدي وسدر حيطان، الذين يبيعون مخلفات الحروب والمتفجرات وألغام المعدات المدفونة في أراضيهم، لعناصر التنظيمات الإرهابية».
في المقابل، طلب الاتحاد المذكور من الدولة «معاملة كل من يتعاون معها بما يجري به معاملة أفراد القوات المسلحة»، كما جرى التوصل إلى صيغة تفاهم مع يحصل إثرها كل من صدر بحقه أحكام غيابية بالعفو الحقيقي «ما لم يكن متورطاً مع الجماعات الإرهابية»، ثم على الدولة «التعاون مع القيادات الطبيعية للقبائل، التى تمارس دوراً مهماً على الأرض، وأن يكون التعامل معهم كبدائل حقيقية عن بعض المشايخ الحكوميين المتخاذلين... وأن تعيد الدولة النظر في هيكلتها الرسمية داخل القبيلة»، فيما سيتعهد «اتحاد القبائل بتوفير الإمكانات المطلوبة لأبنائه في حربهم على الإرهاب».
مقابل كل ذلك، صدر تحفظ من أبناء قبائل في شرق العريش على غالبية بنود البيان الصادر عن «مجموعة الترابين»، بل مع التشكيك في إمكانية تنفيذ تلك التوصيات لكون الأرض التي ستجري عليها حرب الترابين تابعة لقبيلتي الارميلات والسواركة، وأيضاً من بعض أبناء القبيلة نفسها الذين يعارضون «مجموعة الترابين». وقد رفض سابقاً أحد رموز الترابين وهو البرلماني السيناوي السابق، عبد الله جهامة، التوقيع على بيان للمجموعة.
بعد ذلك بيوم واحد، أي أمس، صدر بيان آخر باسم أحد رموز قبيلة السواركة وهو رئيس «اتحاد قبائل سيناء»، إبراهيم المنيعي، الذي أكد أن «ما نشر على لسان موسى الدلح عن مشاركة اتحاد قبائل سيناء في مؤتمر القبائل (للمصادفة فإنه عقد في منطقة اسمها بغداد في وسط سيناء) هو خبر عار من الصحة»، مشدداً على أن «الاتحاد لم يقم أو يشارك في مؤتمرات من بداية الأزمة في سيناء».
يذكر أن المنيعي هو المؤسس لاتحاد قبائل سيناء قبل نحو أربع سنوات، ولكن «مجموعة الترابين» استحلّت الاسم لها لدواعي تضخيم وجودها وكيانها، كذلك لم تظهر لمؤتمرها المذكور أي صور أو مقاطع مرئية.
وفيما عادت حرب البيانات، همست مصادر أمنية لـ«الأخبار» أن وفداً من بعض مشايخ ورموز السواركة توجهوا إلى القاهرة والتقوا وفداً سيادياً ورئاسياً، حيث «أُبرمت صفقة مهمة جداً هي الأولى من نوعها منذ أحداث 30 يونيو». تقضي الصفقة، وفق المصادر، بالاستجابة لمطالب القبيلة، ومنها «الإفراج عن أبنائها المعتقلين في سجن العازولي في معسكر الجلاء» الكائن في قيادة الجيش الثاني الميداني في الإسماعيلية جنوب غرب سيناء، وخاصة من ثبت أنه لم يتورط في أي أحداث عنف في شمال شرق سيناء.
وعلم أن القيادتين السياسية والرئاسية استجابت لذلك وأفرجت عن نحو 90 معتقلاً من العازولي، بموجب الصفقة، التي تقضي في شقها الثاني باستدعاء أبناء السواركة ممن هم في سن الاحتياط لإعادة تجنيدهم في قوات الجيش ونقل خدمتهم إلى سيناء بعد تسليحهم رسمياً، وذلك ليخوضوا حرباً بجانب الجيش ضد عناصر «ولاية سيناء» على أنهم سيعلمون بصفة رسمية وسيشكلون بخبرتهم ذراعاً قوية في معرفة الطرق الوعرة وطبوغرافيا المنطقة الحدودية بصورة دقيقة.