دمشق | عادةً ما تكون الضريبة البيئية التي تدفعها مناطق وجود النفط كبيرةً، إذ تكون أكثر من غيرها، عرضة للتلوّث. إلّا أنّ الأمر في سوريا ازداد سوءاً بعد سيطرة المجموعات المسلّحة على آبار النفط، المتركزة في المنطقة الشرقية، منذ نحو ثلاث سنوات، حيث باتت عمليات استخراج وتكرير النفط، تجري بطرق بدائية، دون مراعاة أدنى معايير السلامة، الصحية والبيئية.


وبحسب معاون مدير الدراسات والمعلوماتية، في وزارة البيئة، الدكتور المهندس أحمد نعمان، فقد «أدّى الدخان المنبعث من عمليات تكرير النفط، غير الشرعية، إلى إطلاق غازات سامّة، مثل الهيدروكربونات، وأكاسيد الكبريت، وكبريت الهدروجين، ما لوّث الهواء في تلك المناطق. الأمر الذي نتجت منه أمراض خطرة، وبخاصّة الجلدية منها، إضافة إلى تسجيل حالات تشوّه خلقي، لدى الولادات الجديدة». ويشير نعمان إلى أنّ تلك الانبعاثات السّامة أدّت إلى تشكّل «أمطار حامضيّة» تحمل أكاسيد الرصاص المسرطنة، مقدّراً كميّات النفط المسروق حتى نهاية عام 2014، بما يزيد على 1,5 مليون ليتر من النفط الخام.
وبات من المعلوم أنّ التلوّث لم يعد محصوراً في مناطق وجود آبار النفط، بل تعدّاها إلى مناطق كثيرة أخرى، تعبرها خطوط نقل النفط. ولم يعد التلوّث مقتصراً على الهواء، بل أصاب المياه، والتربة أيضاً، كما هي الحال في مناطق الرستن، وتلكلخ، وغيرها. وكانت الحرب قد سبّبت، إضافة إلى الخسائر الكارثيّة، توقّف عدد من المشاريع، التي كان من المفترض إنجازها لتحسين الواقع الخدمي والاقتصادي.


تراكم النفايات أدى
إلى انبعاثات سامّة وإلى تلوّث التربة والمياه الجوفية
فسبّبت الحرب، على سبيل المثال، إيقاف 97 مشروعاً لإنشاء محطّات معالجة للمياه، بحسب الدكتور نعمان، عدا عن تدمير العديد من المنشآت المائية والبنى التحتية الخاصة بشبكات الصرف الصحي، وشبكات مياه الشرب والري، ما أدى إلى عدم القدرة على استيعاب الملوثات المطروحة، سواء الصلبة أو السائلة، وزيادة نسبة التلوث في المساحات المائية، وكان ذلك في عدة مدن مثل: درعا، والرقة، وإدلب، وبعض مناطق ريف حلب، وريف دمشق. ويشرح المهندس البيئي محمد دبرها أنّ «الضرر الذي لحق بالموارد المائية، أدّى إلى ارتفاع مؤشرات التلوث العضوي والجرثومي بالمياه، بدليل انتشار أمراض مرتبطة بتلوث المياه، كالتهاب الكبد، وفايروسات الأنفلونزا، والإسهالات العامة».

ضرر متراكم

تراكم النفايات الصلبة والعضوية، في بعض المناطق، نتيجة عدم إمكانية جمعها ونقلها، بسبب الأوضاع الأمنية المترديّة، سبّب مشاكل بيئية متعدّدة، نتيجة تلوّث الهواء والتربة والمياه. ويوضح محمد دبرها، أنّ «تراكم النفايات أدى إلى انبعاثات ضارّة، مترافقة مع الروائح التي تصدر عنها. كذلك تخمّر بعضها، وتسرّب إلى التربة والمياه الجوفية، مسبّباً أضراراً متراكمة لا يمكن التخلص منها بسهولة». أمّا الدكتور أحمد نعمان، فيشير إلى السكان، في بعض المناطق، اضطروا إلى حرق النفايات، لعدم تمكّن البلديات من ترحيلها، وبالتالي الإسهام في زيادة الانبعاثات السامة والمسرطنة، مبيناً أنّ «من الصعب، بشكل رسميّ، تحديد كمية النفايات التي لم ترحّل بالطرق الصحيحة، إلا أنها تقدّر بنحو 900 ألف طن، خلال عام 2014».
ويذكر أنه، نتيجة للأوضاع الاقتصادية المترديّة التي يرزح تحتها اليوم المواطن، فقد لجأ البعض لقطع الاشجار الحرجية، واستخدامها كوسيلة للتدفئة، ما سبّب ضرراً كبيراً للغطاء النباتي، إلى جانب الاعتداء، حرقاً، على الغابات والمحميّات. وهو ما يثبته المهندس الزراعي، علي أحمد، بقوله: «تمّ حرق عدد كبير من أشجار الصنوبر والسنديان والبلوط والقطلب، في محمية البلعاس، ومنطقة أحراج السلمية، وغابات أبو قبيس، وغيرها، ما نتج منه تدهور كبير في التنوع الحيوي، النباتي والحيواني، وصل إلى حد انقراض بعض الأنواع، وخاصة من الطيور». ويشير مصدر، في وزارة الزراعة، إلى أن المساحة المحروقة، بسبب الأعمال الإرهابية، من الحراج السوريّة، وصلت إلى 17022 دونماً، حتى نهاية عام 2014. يضاف إلى ذلك ظهور ملوّثات بيئية جديدة، ناجمة عن تصنيع المتفجرات، والعبوات الناسفة، وحفر الأنفاق وتدميرها باستخدام مواد متفجّرة تحتوي على أكاسيد النتروجين، والرصاص، بحسب ما يقول الدكتور نعمان الذي يضيف شارحاً: «الخلل الذي سببته الأزمة من فوضى وعدم رقابة، أدى إلى ظهور منشآت صناعية غير مطابقة للمواصفات، تسهم بتلوث البيئة. إلى جانب الأنقاض المتراكمة التي تسبب ضرراً على التربة بشكل أساسي». بينما يشير المهندس دبرها إلى معادلة أخرى فرضتها الحرب، «فرغم خروج أكثر من 90% من المصانع عن العمل، وبالتالي انخفاض تلوّث الهواء والماء، الناتج عن الصناعة، إلا أنّ حرائق المدن الصناعية، والانفجارات، وأدوات الحرب الميداينة، عادت لترفع تلك النسبة، بما أفرزته من ملوثات غازية، تؤثر على جهاز التنفس بالدرجة الأولى».