لعبة خلط الأوراق صارت منفذ السلطة الفلسطينية في رام الله لاستغلال الأحداث الأمنية الأخيرة في قطاع غزة، فبدلاً من الشدّ على يد حركة «حماس» إن كان ثمة «داعش» ممتدة ومتصلة بالتنظيم الدولي في القطاع، فإن المتحدث باسم الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، عدنان الضميري، استغل الموقف ليقول إن المجموعات السلفية تحارب «حماس» لأنها تحمي حركة «جهادية» جديدة تدعى «الصابرين»، والأخيرة متهمة وفق قوله بـ«التهجم على السعودية والعرب وتحميلهم مسؤولية الدمار في اليمن، ودعم الحوثيين».


ابتدأ الضميري كلامه في مؤتمر صحافي قبل أيام بـ«حشر» كل مشكلات غزة والتفجيرات الأخيرة في «قضية اسمها الصابرين»، ليغطي بذلك على سلسلة اعتقالات كبيرة شنتها السلطة ضد كوادر وقيادات في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» خلال الأيام الماضية في عدة مدن في الضفة المحتلة. ولكن الحركتين استدركتا كلام الرجل ولم تعقبا على قضية «الصابرين» التي تدعى أيضاً «حصن»، فيما كان تركيزهما على تفنيد ادعاءات الضميري بأن الطلاب والصحافيين المعتقلين لم تسجنهم السلطة بناءً على قضايا «رأي وحرية تعبير»، بل لأنهم «يغسلون الأموال» ويمارسون نشاطات تضر الأمن، رغم أن نقابة الصحافيين المقربة من السلطة خرجت أمس عن صمتها للمرة الأولى وتحدثت عن «اعتقالات سياسية»!
لا يخفى أن الضميري يريد صدّ صدى الحملة الإعلامية الكبيرة ضد السلطة بسبب الاعتقالات عبر «دق أسافين» بين «حماس» من جهة، وعدد من السلفيين الذين تعتقلهم تحت «دواع أمنية»، منها مشاركتهم في تفجيرات وتهديدات لشخصيات عديدة، كما تقول الحركة. وكذلك فإنه بتلميحه إلى أن «الصابرين» تنتقد السعودية، يتضح مراده في حشر «حماس» داخل زاوية سيئة، بينما تسعى إلى تحسين العلاقة بالرياض، مع أن التنظيم المشار إليه هو فصيل جديد لم يكمل العام من عمره (راجع العدد ٢٣٠٦ في ٣١ أيار ٢٠١٤).
في الوقت نفسه، فإن قضية «الصابرين» سعى الضميري إلى تظهيرها كقضية رأي عام بعدما كانت محصورة في الأطر التنظيمية، وهو ادعى أن «حماس» تحمي هذه الحركة التي أطلق عليها مسمى «جهادية» ليضعها تحت أجندة «الإرهاب» في المنطقة، فيما قدم للمجموعات السلفية «ورقة ابتزاز» واضحة في مواجهتها مع «حماس»، على اعتبار أن تحمي «تنظيمياً شيعياً»، وفق ادعاء الأولى.
المعلومات المتوافرة لدى «الأخبار» من مصادر متعددة أن «حماس» ترى أن الأولوية الأولى في هذه المرحلة هي «الحفاظ على الأمن والاستقرار» في غزة حتى لا يكون عكس ذلك مدعاة للاستغلال أو مصدراً للقلق الداخلي، كما يعنيها أن تخفف الضغط على عناصرها في الضفة المحتلة، وهي في الوقت الذي يعمل فيه طاقمها السياسي من بيروت على إكمال لقاءات المصالحة مع «فتح»، لا ترغب في ما ينغص تحسين العلاقة بالسعوديين، وخاصة بعد الاتهامات الواضحة منها إلى رئيس السلطة، محمود عباس، بشأن تعطيل زيارة الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، لغزة.
على مستوى الردود، فإن «الصابرين ــ حصن»، اعتبرت التصريحات التي أدلى بها اللواء الضميري تأتي في سياق تبريره لحملة الاعتقالات التي تشنها «أجهزة سلطة أوسلو بحق المجاهدين من أبناء حماس والجهاد الإسلامي»، وأنها «جزء من حالة العبث والمساس بالأمن والسلم الأهلي في غزة». وكذلك رفضت الحركة التعرض لاسمها «في توقيت لافت عقب عشرات التفجيرات التي وقعت في القطاع بهدف تقويض أمن المواطنين واستباحة دمائهم بأيدٍ مأجورة ومدفوعة من مخابرات العدو مباشرة أو بالواسطة»، ورأت أن الضميري «اصطف إلى جانب المجموعات السلفية ضد حماس»، معيدة التأكيد أنها تصر على موقفها الرافض «للحرب السعودية الظالمة ضد الشعب اليمني».
أما بشأن المعتقلين لدى السلطة، فكان الضميري قد قال إنهم موقوفون على خلفيات أمنية وجنائية، مشيراً إلى أن عددهم يبلغ 57 معتقلاً «أُوقفوا على خلفيات التخطيط للقيام بعمليات من جهات خارجية وإدارة شبكات مالية وغسل أموال لاستهداف السلطة»، إضافة إلى «شبهات أمنية وأعمال خيانة وامتلاك مواد خطيرة قابلة للانفجار والتحريض على العنف والكراهية».
في المقابل، قالت «حماس» إن تصريحات الضميري «محاولة بائسة لإخفاء الحقيقة حول استهداف أجهزة أمن السلطة لأبناء حماس والجهاد الإسلامي»، في وقت قالت فيه «الجهاد» إن كلام الضميري «يأتي في سياق التضليل الإعلامي ومحاولة التغطية على جريمة الاعتقال السياسي واستمرار التنسيق الأمني». وقالت إن «ما صودر من أموال هو مبالغ كانت في طريقها للأسرى في سجون الاحتلال (مصاريف كنتينة)».
(الأخبار)