القدس المحتلة | عند دخولك المسجد الأقصى، يصحبك فضولك إلى اتّباع صوت التكبير الذي يعلو في باحاته في غير موعد الأذان. بتتبّع الصوت تصل حيث حلقة كبيرة من النساء يمشين وهن يرددن «الله أكبر»، وكلما تعلو أصواتهن تعرف أن مجموعة من المستوطنين الذين يضعون على رأسهم قبعات صغيرة صاروا أقرب إليهن، إذ تحيط بهم شرطة الاحتلال لحمايتهم من غضب المقدسيين والمقدسيات.

اختارت اللواتي يسمين أنفسهن المرابطات أن يكنّ خط الدفاع الأول عن الأقصى من اقتحامات المستوطنين الاستفزازية، وقررن أن يجتمعن من كل مدن وقرى فلسطين المحتلة مع توحيد زيّهن ذي اللون الأسود، مع وضع النقاب على وجوههن، ومهمتهن سهلة صعبة: إرهاب المستوطنين بالتكبير.

ومن الطبيعي أنهن لا يدخلن المسجد على شكل الجماعات حتى لا تمنعهن شرطة الاحتلال، فيعملن بالاتفاق على أن تدخل كل واحدة منهن من بوابة مختلفة بلباس عادي، ثم يختفين برهة ويخرجن بزيّهن الأسود الموحد، ويجلسن عند أقرب مصطبة (حلقة) على باب المغاربة الذي لا يفتح إلا للمستوطنين، وفور وضع أي مستوطن رجله في ساحة الأقصى يبدأن التكبير ويقمن بالالتفاف حول المستوطنين لمنعهم من أداء أي سلوكيات.

يهرب المستوطن من مقاومة المصلين له ويحتمي بالجنود

في المقابل، فإن غضب المستوطنين من أفعال المرابطات يجعلهم ينتظرون أي فرصة للاعتداء عليهن لفظياً أو بالضرب، وخاصة إذا عملت الشرطة على تفريقهن، ثم يختبئ ذلك المستوطن وراء الجنود. وحتى لو نجح في ذلك، فإن «المرابطات» وحراس الأقصى والمصلين يطاردون المستوطن ليسارع إلى الهرب متدرّعاً بجنود الاحتلال، وفي الخارج تبدأ حركاته الجنونية كالرقص والقفز، وتحديداً قرب باب السلسلة الذي يقع في الرواق الغربي للمسجد.
وتحافظ هؤلاء النسوة على القدوم إلى الأقصى على اعتبار أنه بيتهن الأول، وأن الدفاع عنه واجب مقدس، لذلك يحرصن بالتناوب على المجيء منذ صلاة الفجر أو بعدها بقليل (حتى الثامنة صباحاً)، لتضمن كل منهن الوجود بكثافة قبيل اقتحامات المستوطنين.
تقول إحدى المرابطات إنها تستيقظ يومياً قبل الفجر، وترتّب بيتها وتطهو طعاماً لأولادها، ثم تخرج إلى حافلات الرباط التي تصطحبهن من الشمال المحتل إلى الأقصى، واضعة نصب عينيها المسجد والدفاع عنه.
رغم ذلك، تكون النقطة الفاصلة في يوميات كل «مرابطة» بعد خروجها من المسجد، فإما أن يكون مصيرها الاعتقال ثم السجن والإبعاد عن الاقصى، وإما أن تخرج بسلام لتعود في يوم لاحق. ومع أنهن يستفدن من النقاب لئلا يظهرن على كاميرات الاحتلال، فإن الجنود الذين يحمون المستوطنين يحرصون على تصويرهن جيداً من أجل التعرف عليهن لاحقاً.
ومنذ بداية العام الجاري، اعتقل الاحتلال 83 امرأة فلسطينية أثناء خروجهن من الأقصى، إضافة إلى صبيتين يقل عمراهما عن 12 سنة، كذلك اعتقل ست شابات تقل أعمارهن عن 18 عاماً، والنسبة الكبرى منهن (90%) تلقين أحكاماً بالإبعاد عن المسجد، وفق إفادة المتحدث باسم أهالي الأسرى والمحررين أمجد أبو عصب.
بهذا الأسلوب يسعى الاحتلال إلى منع المرابطات من تحقيق هدفهن في حماية الأقصى، لأنه لا توجد قوانين واضحة وصريحة تمنع الرباط، على اعتبار أن إسرائيل تعمل في القدس بقوانينها التي شرعتها لنفسها، ولكنها تلصق بتلك النسوة تهمة «الإخلال بالأمن والنظام» بسبب تصديهن لما يسمى «الزيارات اليهودية».
يقول المحامي المسؤول عن قضايا المرابطات، خالد زبارقة، إن الاحتلال يستعمل الشرطة والمخابرات لتحقيق هدفه ــ تأمين اقتحام المستوطنين ــ باحتجاز بطاقات المرابطات على الأبواب، أو اعتقال المرابطات وإخضاعهن لساعات طويلة في التحقيق، وكذلك إبعادهن عن المسجد لمدة يحددها ضابط الشرطة أو القاضي، وتصل إلى ستة أشهر قابلة للتجديد.
وحتى خلال إبعاد «المرابطة»، يبقى الأقصى قضيتها الأولى، فهي تترك منزلها وتصل إلى أقرب نقطة من المسجد لتصلي وتقرأ القرآن وتكبّر في وجه المستوطنين الخارجين من الأقصى.