تونس | كان منتدى الشباب في تونس ــ بنسخته الخامسة، الذي انتهت أعماله أمس بمشاركة نحو ثلاثمئة شاب وفتاة تقريباً من فرنسا والدول العربية والأفريقية ــ فرصة كبيرة للتأكيد أن الأزمة الأمنية التي عاشتها تونس، بفعل الأعمال الإرهابية التي شهدتها أخيراً، لم تنجح في هز ثقة شركائها من الدول الأوروبية، كذلك إن انتهاء أعمال المنتدى بلا مشاكل تذكر يؤكد نقطة هامة: ما زالت تونس، هذا البلد الأخضر، قادرة على جذب أنظار الإعجاب إليها.


"قيد" المشاركة؟

في المعهد الفرنسي بشارع باريس، وسط العاصمة التونسية، كانت أشغال الملتقى. إن كنت مشاركاً، فقد تجد نفسك في ورطة: منذ اللحظة الأولى، سيُقدَّم سوار بلاستيكي لك كي تضعه حول معصمك، ليبقى حوله ثلاثة أيام متصلة، لتقوم بكافة أنشطة حياتك اليومية وهو في يدك. لو حاولت فكه فإنه لا يمكن تركيبه مجدداً. كذلك إدارة المؤتمر لن تمنحك أكثر من سوار واحد، حيث اتُّخذ هذا الإجراء احترازاً كي لا يدخل المؤتمر أي غرباء للملتقى.
وبحسب لون سوارك، يسهل على رجال الأمن معرفة إلى أي نوع من المشاركين تنتمي: لو كنت مشاركاً في النقاشات الخاصة بمنظمات المجتمع المدني، فيسكون لون سوارك أصفر، أما إن كنت مشاركاً في ورشات العمل الخاصة بالناشطين الشباب، فسيكون وردياً. وفي حال كونك أحد المتطوعين، أو القائمين على إدارة الورشات، فسيكون لون السوار هو الأزرق.
في المؤتمر، هنالك مشاركون من دول عدة: فرنسا، تونس، الأردن، مصر، فلسطين، الجزائر، المغرب، الكاميرون وغيرها من الدول. ستلاحظ، بطبيعة الحال، أن المشاركة لم تكن على قدر "الدول الأورومتوسطية"، وأنها امتدت لتشمل دولاً أفريقية من عمق القارة السمراء كالنيجر والكاميرون، وهو ما يعني اهتماماً فرنسياً واضحاً في القضايا التنموية هناك، بحكم امتداد العمق الثقافي الفرنكفوني إلى تلك البقاع، ورغبة الدولة الفرنسية في الحفاظ على هذا العمق متيناً ووثيقاً.

"ثورتان... وليست واحدة"

منذ بداية الملتقى، الذي حظي برعاية وتمويل فرنسيين، وبالتعاون مع مختلف الجهات ــ بما فيها بالطبع الدولة التونسية، التي مثلها وجود الوزير المكلف العلاقات مع الهيئات الدستورية، كمال الجندوبي ــ أكد سفير فرنسا في تونس، فرنسوا غويات، في كلمة الافتتاح على عمق الشراكة بين بلاده وتونس، التي سعت ــ من خلال رعايتها للمنتديات الشبابية المتوسطية الخمس في تونس ــ على "دعم فرنسا والشباب الفرنسي لتونس". وتعتبر الجمهورية الفرنسية التجربة الديموقراطية التونسية "ناجحة وتستحق التقدير"، مع سعي فرنسا إلى تدعيم هذه التجربة من خلال دعم مؤسسات المجتمع المدني. وأشار السفير إلى حدوث "ثورتين في تونس، لا ثورة واحدة"، مشيراً إلى "الأولى" التي حدثت عام 2011 بالطبع ضد حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، أما الثانية ــ وفقاً له ــ فتمثلت بالتطور الهائل الذي مسّ مؤسسات المجتمع المدني التي توسعت كثيراً للقيام بمشاريع مستوحاة من أجل "تحقيق المصالح الوطنية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية". ولفت إلى رقم مهم، وهو "وجود ثمانية عشر ألف مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، تعمل في مختلف أرجاء التراب التونسي".

الجلسات والمشاريع

كان هدف مختلف جلسات المؤتمر هو: كيف بالإمكان القيام بمشاريع تشاركية لدعم مختلف القضايا المحلية، بشراكة مختلف الدول مع تونس، وبتمويل فرنسي؟ كانت هنالك محاور مختلفة للملتقى تتعلق بقضايا البيئة والشباب والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر، وتنمية مشاركة الهيئات المحلية كالبلديات في صنع القرار، بالإضافة إلى مجال حقوق الإنسان وغيرها من المجالات الأخرى، التي كانت بحاجة إلى مشاريع يجري تنفيذها على الأرض، لحل العديد من المشاكل المتعلقة بها، أو بالأحرى للتخفيف من حدتها على الأقل.
كانت مختلف تلك الجلسات والمشاريع ــ على صعيد المشاركين من مؤسسات المجتمع المحلي أو الناشطين الشباب ــ بالطبع باللغة الفرنسية، مع توافر محاولات من المشاركين من الشباب التونسي لترجمة تلك المقترحات للمشاركين الذين لم يكونوا يجيدون تلك اللغة. أما في حفلي الافتتاح والختام، فقد كانت الترجمة الفورية متوافرة. وعقب الحديث مع مختلف المشاركين، يمكننا القول إن الملتقى قد قدّم "فرصة ممتازة" لتطوير مهارات وقدرات العديد من الشباب العربي والأفريقي في ما يتعلق بإدارة المشاريع وتطويرها، وكان أيضاً فرصة ممتازة لمناقشة مختلف المشكلات مع "شركاء جدد" من فرنسا والدول العربية والأفريقية المشاركة، ومحاولة إيجاد حلول مشتركة لها من "خارج الصندوق".