نيويورك بطلب من الأردن، قدم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون، إحاطة عن سير الحوار الليبي لأعضاء مجلس الأمن الدولي، في جلسة مشاورات مغلقة عقدت أمس. الإحاطة شملت ما جرى في المفاوضات بين الأطراف الليبية، في كل من الجزائر وبلجيكا ومصر والمغرب وتونس، خلال آذار الماضي.

وكان ليون قد قدّم في ٢٤ آذار اقتراحاً بتشكيل حكومة جديدة، ريثما يوضع دستور جديد وتُجرى انتخابات جديدة. الاقتراح يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية يرأسها رئيس وزراء ونائبان، على أن يكون هناك مجلس نواب كجهاز تشريعي ومجلس دولة أعلى يتولى تقديم المشورة للحكومة، فيما ينتظر ليون ردود الأطراف على المقترح.

الاهتمام الدولي يتعاظم بليبيا، التي تحولت إلى مصدر هائل للإرهاب والهجرة غير الشرعية يعدي الدول الأفريقية المجاورة ويهدّد بالانتقال السريع إلى البلدان الأوروبية التي لا تخفي قلقها البالغ. هذه الدول تواجه أيضاً فوضى في الهجرة إليها، في وقت تمر فيه بلدان جنوب أوروبا تحديداً بضائقة مالية وحالة تقشّف شديد. الهجرة غير الشرعية التي تقدر بعشرات الآلاف سنوياً، لا تشكل عبئاً ديموغرافياً وحسب، بل عبئاً أمنياً باهظ الكلفة. لذلك تحرص الدول الأوروبية على إيجاد حكومة مركزية ليبية متعاونة معها، لضبط الأوضاع الداخلية بتوجيه منها ومن الولايات المتحدة.
حرص أعضاء المجلس في جلسة المشاورات على الاستماع إلى سير الحوار الليبي، ولا سيما بين ائتلافين رئيسيين. الأول إسلامي في مصراتة يعرف بـ«فجر ليبيا»، والآخر يشمل ميليشيات الزنتان وعناصر من الجيش الليبي، بقيادة الجنرال خليفة حفتر، ويعرف بـ«عملية الكرامة» المستمرة حول الموانئ والمطارات. وكانت بعثة «أونميل» قد أدانت الهجمات التي شنّت على طرابلس من «عملية الكرامة» في منتصف نيسان الجاري. ووعد ليون بتيسير لقاءات بين قادة الائتلافين. لذلك كان مهماً التعرف إلى نتائج هذه المساعي على المستويين السياسي والأمني.
عقب الجلسة، قال ليون إنه تلقى ردوداً من الطرفين بعضها كان انتقادياً والآخر سلبياً. وشرح أن المفاوضات ما زالت مستمرة مع استعداد لمراعاة هواجس كل طرف وتلبية طلباته، بقدر ما يسمح التوافق، وسيكون هناك عدّة مسودات لصيغة الاتفاق بعدما بلغ العدد إلى ثلاثة، فيما من المتوقع أن تصل الردود إليها يوم الأحد. وأضاف أن مباحثاته تأخذ لقاءات ثنائية وأخرى مع زعماء القبائل، مؤكداً أن المجتمع الدولي يريد التوصل إلى اتفاق بحلول رمضان، لأنه موعد مثالي لوقف القتال.
ليون نفى أن يكون متفائلاً، وتساءل: «ما هو البديل لعدم الاتفاق؟ البديل سيكون النموذج الصومالي، نزاع لا ينتهي». وحمل على محاولة قصف طائرة كانت تنقل وفداً للحوار منطلقة من مطار طرابلس، وقال إن هذا العمل لا يجوز ولم يحصل في السابق أن حاول أحد قصف محاورين.
ومن الأمور التي سأل الأعضاء عنها، هي قوة التنظيمات الإسلامية المتشدّدة مثل «أنصار الشريعة» و«داعش» و«القاعدة» وأحجامها، ولا سيما بعد قتل ٣٠ إثيوبياً مسيحياً في هجمات تبناها «القاعدة»، الذي دخل في مزايدة على «داعش» الذي يهدّد مكانتها في غير منطقة من العالم.
الدول الغربية تحديداً تدرس توجيه ضربات لعصابات تهريب المهاجرين، بعد نيل قرار من مجلس الأمن الدولي يشرعنها، وفق ما ذكرت منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا ميغريني، التي أكدت أن العمل يجب أن يكون بتنسيق مع سلطات ليبية. سلطات لا تبدو في مكانها حتى الآن، وبالتالي إن إيجاد هذه السلطات بات أمراً ملحّاً على المستوى الأوروبي.
الأمن ليس وحده ما يشغل الليبيين والدول المجاورة، بل الوضع الإنساني المتدهور داخل ليبيا. كذلك بالنسبة إلى المهاجرين الليبيين إلى دول الجوار، خصوصاً أن هناك عشرات الآلاف من الليبيين المهاجرين إلى تونس والجزائر، ممن يحتاجون لمعونات إنسانية عاجلة، كذلك هناك أيضاً نحو ٤٠٠ ألف ليبي مهجرين من مدنهم وقراهم إلى مناطق أخرى داخل ليبيا.
بناءً عليه، تؤدي التسوية السياسية دوراً مهماً في معالجة هذه الأوضاع. أما المعرقلون للحل فيواجهون تهديداً بالعقوبات، بموجب القرار ٢٢١٤ الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي بالإجماع في ٢٧ آذار الماضي. وهناك ١٣ شخصية ليبية وضعت على قائمة لا تزال غير معلنة، يمكن أن تضم إلى قائمة العقوبات التي تتولاها لجنة منبثقة من قرار مجلس الأمن ١٩٧٠ الصادر عام ٢٠١١، وتهمة هؤلاء أنهم يعرقلون العملية الانتقالية السياسية. لكن قبل تنفيذ هذه التهديدات، من المهم أن يكون هناك تصور موحد بين أعضاء مجلس الأمن الذين يختلفون حول العديد من الأمور، ولا سيما حيال الشأن الليبي، فالعمليات العسكرية التي نفذها «حلف شمال الأطلسي»، عام ٢٠١١ ما كان يفترض أن تغير النظام، بل كانت بحجة حماية المدنيين. وأخيراً تسربت وثائق سرية أميركية أكدت أن بنغازي لم تكن مهددة كما ذكر وقتها، حسب تقدير الاستخبارات الأميركية. بالتالي كان تغيير النظام هو الهدف وليس حماية المدنيين. كل ما وقع في ليبيا، منذ تغيير النظام، يقع على عاتق منفذي الغارات ومن يقف خلفهم، في حين أن الجانب الروسي كان يعاتب دائماً على الإجراءات الأحادية الجانب القائمة على مصالح خاصة، والتي تسبب كوارث داخلية وإقليمية في الدول التي تحدث فيها وفي محيطها.
في الختام، قال ليون إن الدول الإقليمية التي تشعر بخطر الوضع الليبي عليها، متعاونة مع مهمته وتريد تسهيل الحلول، مشدداً على أن كل المعالجات يجب أن تكون بتعاون دولي.