في أواخر كانون الأول من العام الماضي، عمّمت إدارة الهجرة والجوازات في سوريا على فروعها في جميع المحافظات، والمنافذ الحدودية، برقية تطلب بموجبها «عدم السماح بالسفر لمن أنهى الخدمة الإلزامية، وهو جاهز للاحتياط، إلا بعد حصوله على موافقة شعبة تجنيده». القرار الذي أثار ضجّة كبيرة حينها استندَ إلى كتاب وزارة الدفاع - مديرية الشؤون الإدارية رقم 115/4944 بتاريخ 16 / 12/ 2014.


عُمّمت برقيّة الهجرة والجوازات بتاريخ 19/ 12، وبدأ العمل بموجبها على الفور. كان منح موافقة السفر من شعب التجنيد يتطلّب أولاً أن يكون الراغب في السفر غيرَ مدعوٍّ للالتحاق بالجيش، سواء لتأدية الخدمة الإلزاميّة أو الاحتياطيّة. كذلك يستوجب الأمر تسديد مبلغ يعادل 300 دولار أميركي (بالعملة السورية ووفقاً لسعر الصرف الرسمي) في أحد فروع المصرف العقاري، تحت بند «كفالة سفر». ما هي إلّا أيّام قليلة، حتى صدر قرار مُعاكس يلغي العمل بالقرار السابق. لكن، في الأيام القليلة الممتدة بين القرارين، كان عدد كبير من الشبّان السوريين الراغبين في السفر قد حصلوا على موافقة السفر من شعب تجنيدهم، وفقاً للقرار المُلغى، ما يعني بطبيعة الحال أنّ كلّا منهم قد سدّد مبلغ الكفالة المصرفيّة المطلوب. المسارعون إلى استخراج الموافقة كانوا يتصرّفون بدافع من اضطرارهم إلى السفر، سواء بسبب ارتباطهم بمواعيد سفر سابقة، أو بسبب طبيعة عملهم. وتحت هذا الباب يندرج سائقو سيارات الأجرة العاملة بين مختلف المحافظات السورية والأراضي اللبنانية. يقول أحد سائقي خط اللاذقية ــ بيروت لـ«الأخبار»: «وصلت إلى نقطة العريضة الحدودية صباح السبت 20 كانون الأول، ومعي عدد من المسافرين كالمعتاد. لكنني فوجئتُ بأنني لا أستطيع مغادرة الأراضي السورية إلا بعد حصولي على موافقة شعبة التجنيد لأن عمري دون الـ42 عاماً (وهي السن التي يُعفى صاحبها من الخدمة الاحتياطيّة)». لم تكن الحلول كثيرة أمام السائق، ومن هم في مثل وضعه، «أحصينا عددنا، فتجاوز خمسين سائقاً ممّن ينطبق عليهم القرار الجديد. كنّا أمام خيارين: الحصول على الموافقة، أو البحث عن عمل جديد. وطبعاً كان خيارنا الحصول على الموافقة». في اليوم التالي قام السائقون بمراجعة شعبة تجنيد اللاذقيّة، ووقفوا على تفاصيل القرار وما يتطلّبه منهم. وتالياً ذهب كلّ منهم إلى المصرف العقاري وسدّد مبلغ 49500 ليرة سورية (ما يعادل 300 دولار، إذ كان سعر الدولار الواحد وفقاً للمصرف المركزي في حينها 165 ليرة). يشرح السائق أنّه قامَ وزملاءَه بمراجعة المصرف العقاري بعد إلغاء العمل بالقرار، بغية سحب المبالغ التي أودعوها بعد أن انتفى سبب وجود الكفالة المصرفيّة. وبطبيعة الحال اشترط المصرف ورودَ كتاب من شعبة التجنيد يفيد بانتفاء السبب (وفقاً للأنظمة القوانين المعمول بها في ما يخص الكفالات المصرفيّة). ولدى مراجعة شعبة تجنيد اللاذقيّة أفادت بأنّ الأمر يتطلّب ورود تعليمات من شعبة التجنيد العامّة، ليُصار إلى مخاطبة المصرف بموجبها. «قلنا لحالنا مننتظر كم يوم»، يقول السائق. لكنّ الأيام تتالت، والمراجعات تكرّرت، والجواب لم يتغيّر. وإلى اليوم، ورغم مرور أكثر من أربعة أشهر، لم تصل تعليمات الشعبة العامّة، ولم يستعِد أحدٌ كفالتَه التي باتت اليوم تعادل 225 دولاراً وفقاً لسعر المصرف المركزي (220 ليرة). يختتم السائق بالقول: «فقدنا الأمل، أنا كنت قد استدنت المبلغ، ومن أسبوع سدّدت آخر دفعة من الدين، والحمد لله. أخي هي خزينة دولة، واللي بيدخل ما بيطلع بالسهل». طبعاً، ستكون هناك حالات مشابهة كثيرة، وليس السائقون الخمسون سوى مثال عن شريحة معيّنة، في محافظة واحدة فحسب. لا عليكَ أيّها المواطن... أنت بخير. وإذا كانت الحرب لا ترحم، فالحكومة أمٌّ رؤوم.