لم تَرُق لي أيّ أغنية عند البدء بكتابة هذا النص سوى أغنية "الشارة" للمسلسل الكرتوني الشهير غرندايزر. ربما لأنه وحده الذي من الممكن أن "يدافع يدافع حتى ينال عدلاً للجميع والحق المنيع" ـ كما تقول الأغنية ـ لنا في فلسطين، ولأهل الصحراء الغربية. نعم الصحراء الغربية، ذلك البلد المنسي في آخر خريطة الوطن العربي.


من أذكرُهم من "المنتدى الاجتماعي العالمي" في تونس، هم الفلسطينيون، الجزائريون الذين يعانقون الفلسطينيين، وأبناء الصحراء الغربية الذين كانت تصدح من خيمتهم الموسيقى ولا تهدأ فيها الرقصات. "شاطرين الجماعة بجذب الفضوليين إلى خيمتهم". إلا أن أول ما أثار "حشريتنا" للتعرف إليهم، هو علمهم الذي يشبه بألوانه العلم الفلسطيني ويتوسطه النجمة والهلال. "تحركشنا" بهم في مسيرة الافتتاح، وإذا بهم ـ وللمفاجأة ـ يتحدثون العربية. يا لسخافتي! أكيد يتحدثون العربية، لكنني لم أتوقع أن أفهم ما يقولون. لهذه الدرجة كنت أجهل تاريخ وثقافة لاجئين آخرين، يعاني وطنهم من المستوطنات، وللمفارقة من جدار عازل.
بعد اعتراض أحد الصحراويين على مضمون محاضرة اقتصرت على مناقشة وضع اللاجئين الفلسطينيين، قررت أن أذهب أخيراً إلى "الخيمة الراقصة". قال الصحراوي إن أبناء بلاده أيضاً بمعظمهم من اللاجئين، أكثرهم يعيش في مخيمات جنوب الجزائر. مخيمات، بحسب ما وصف لنا، لا تصلها المياه إلا مرة في الأسبوع، وغير مزوّدة بالكهرباء. ربما تشترك مع مخيماتنا في لبنان بمأساة المياه والكهرباء إلى حد ما، لكن حمداً لله، لدينا جدران باطون تساند بعضها في المخيم.
قيادات الثورة الصحراوية، أو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب المعروفة "بالبوليساريو"، موجودة خارج الوطن خوفاً على حياتها من "المحتل المغربي". هؤلاء قادوا الكفاح المسلح من أيام الاستعمار الإسباني عام 1973 وحتى عام 1991، حين وُقّع اتفاق وقف إطلاق النار مع الرباط. وعندها طُرحت سيناريوهات عدة لحلّ القضية الصحراوية، والتي كلها لم تتحقق إلى الآن، ما دفعهم إلى اعتبار عام 2015 عام الاستقلال. فربما تكون الدولة "195"، بعدنا برقم واحد. لكن إن شاء الله تكون دولتهم ذات سيادة وعضوية كاملة ولا تصيبنا هي الأخرى بخيبة أمل.
وإلى حين الاستقلال، يسعى أبناء البلد، الذين يعيشون في الجانب المحتل من الوطن، إلى المحافظة على هويتهم بعد استقدام أكثر من 100 ألف مستوطن. وهنا أتحدث عن الصحراء الغربية لا عن فلسطين. وكما يقول الناشطون، فإن المغرب يحاول فرض واقع ديمغرافي جديد في البلاد، يضمن غالبية لمصلحته في حال جرى استفتاء على تقرير المصير. وهو ما يشبه إلى حدّ بعيد ما تقوم به الحكومات الإسرائيلية من زيادة عدد المستوطنات والوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية، ما يعقّد أي احتمال لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية. وبالطبع الواقع في الحالتين هنا لا يتطابق تماماً. فالسلطة الفلسطينية كما هو معلوم تسعى إلى إقامة الدولة على جزء بسيط من أراضي فلسطين، فيما يسعى الصحراويون إلى إقامة دولتهم على كامل التراب الوطني بعدما استطاعوا تحرير القسم الذي كان يخضع لموريتانيا قبل سنوات.
بالنظر إلى الخريطة التي كانت معلّقة على مدخل خيمة الصحراء الغربية في جامعة المنارة التونسية، يظهر بوضوح الجدار الفاصل بين الجزء المحرر والآخر المحتل، أي ما يقارب 80% من أراضي الصحراء "التاريخية". قالوا لنا إن الحكومة المغربية استعانت بخبراء إسرائيليين لبناء الجدار، الذي يحرمهم من مدنهم وقراهم الأصلية، تاركاً لهم منفذاً بحرياً صغيراً. شيء يشبه غزة لكنه على المحيط الأطلسي.
تقول الأغنية الصحراوية "يا الشعب اللي ضحيت": "يا الشعب اللي ضحّيت... التضحيات الجسام... راعي الثمرة اللي عطيتْ... اتحديت قوى الظلام... سمعك تركوه ملآن... بالأمجاد العظام... كتلوها تضحيات... شهداءك فالأرحام".