حبيبتي اليرموك:

جرحكِ الوحيد الذي ينتابنا، نحن الخائفوَن على حقنا في اللجوء، المتمسكون بأجمل ما ورثناه من قَصص جداتنا، الضالعون جداً في أنسنةِ الخوف والموت، الساهرون على الأسطح على وقع أغنياتِ العودة التي نشارك بها القمر والكحول.
حبيبتي اليرموك، جرحكِ هذا يتكالبُ عليه الشّذاذ والأمراء، القادة والأنبياء، الموتورون والعملاء.

وأنتِ تترنحين بعشقنا وتحفرين لنا قبراً في الحب.
حبيبتي اليرموك، نحن الذين لا نقبل بأن تتسلمي وردةً من غريب. "الزعران" الذين لا نرضى بأن تلمسك أيدٍ قذرة غير أيدينا. نحنُ الغيورون جداً والعاشقون جداً والمكلومونَ جداً، أصبحنا نباهي بقرابيننا لكِ مثلَ محمومٍ من الوله لا يخشى في ذلّ المحبوب لومة لائم.
حبيبتي اليرموك، ما أسوأ أن يخذلكِ الإله مثلما يخذلُ الحظ امرأة جميلة، حبيبتي حبيبتي حبيبتي إنهم يطلقون الموتَ عليك دائماً. لأموت أنا! آهٍ يا حبيبتي... كم أنت امرأةٌ شاهقة وأنا عاشقك الأسوأ حظاً! أُهجس في الوهمِ صباحاً، وتقتلني الأحلامُ بكِ ليلاً. تفِرُ الأيامُ من يدي وكلُ شيءٍ يتناقص مني ومن حولي إلاكِ! أنتِ تزدادين وتزدادين، لأنك تعلمين بأنني لست عابئاً بالأثقال فوق كاهلي يا سيدة الفرح المكبوتِ كأحلامنا.
لأعراسكِ كنا ندبك كل يوم، فكيفَ اليومُ وأنت عروستنا الشهيدة؟ تخورُ بنا الأقدام وآذاننا تُنصِتُ للراقصين على نار جحيمك، نفتحُ أعيننا مثل غزالةٍ - هَزمت أنيابُ الضباعِ صوتها - حتى ندافع عنك لآخرِ نقطةِ ضوءٍ، ولكن هيهات هيهات يا حبيبتي.
أختلسُ وقتاً تنامُ بهِ الحربُ في نفسٍ يطولُ بين رصاصتين أو أكثر. لوقعهما صوت التذكير بأن المعركة مستمرة. كأن أحداً هناك يريد أن يخبرنا نحن الكائنات التي تخاف بأن لا نتمادى في هدوء الدم والسكينة.
أمرّ بالقربِ من "فرن حمدان" فتشهق الورود في صدري، ما زلت أشتم رائحة عجينةِ الفرن وهي تَضُوع منفردةً عن كل الروائح حولها الزكية منها و"الغبية". تهديني قدمايَ إلى شارعِ "الخمسطعش" بيتي الحنون هناك. فيهب قلبي مثلَ وقودٍ لا يصبرُ على الاشتعال. أتذكركِ وأسير على خطاكِ، أبكي مثل مجنون وأتماهى بذاكرةِ خطواتكِ التي تأخذ الطرقَ نحو دورانٍ يجفف ماء هذه الأرض. كأنني أنا أنتِ آتٍ إليَ وأبكي، ذاهبٌ إلي بكِ وأنا أنتظرني هناكَ وليس للوقتِ أن يسعفَ خطواتي نحوي – نحوك.
إلى الآن تمسكين بقلبي! كأن المخيم شاهد على جنةٍ في نار لهفتنا. يحرسنا من عيون الكونِ يلفنا مثلَ شالٍ من حريرٍ ونمضي في لحمنا من دون خوفٍ من غدٍ أحمق. كلما نقرتي على بابي الحزين قرع لنا اليرموكَ الكؤوس ببعضها، بلا نشازٍ يخدشُ الأحياء.
ها أنتِ الآنَ تجتهدينَ في البعيد لأجلِ هذا، صار المخيمُ بعدنا طفلاً شهيداً. تحييد الصراع؟
يضعونك على منبرِ صلواتهم فتصير قبلتهم القاتلة، ثم يقولون لك: "تحييد الصراع"! يزرعونك في العشوائيات، حيث تخطئ يدكَ باب بيتك دائماً لشبهةِ الجغرافيا، ويقولون لك: "تحييد الصراع"!
يحملون ضوء دمك وهم يدسّون لك جرعاتٍ من الوقود لتعمي الأبصار عنهم، ويقولون بعدها متفاصحين: "تحييد الصراع".
تقاسمهم فرحك وتتقاسم معهم حزنهم ما استطعتَ وهم يُرّكبون لك صفات العدوِ الصديق وأنت تجمع العدو والصديق فيهم على بؤسكَ ويقولون لك: "تحييد الصراع".
تنتهي سلالتك وتجف فلسطين وهي تتساقط ورقةَ ورقة، ويقولون لك: "تحييد الصراع". يضعونك في سجنٍ، ويحقنوك كي تطير بجراحك التي بالكاد تتجاوز إبطيكَ لضيق القفص، فلا تطير، ثم يقولون لك: "تحييد الصراع".
لا بأس، عليك أن تكون قاتلاً مُراً... لتحييد الصراع.