لم تقتنع جدتي "سودة" بأن جدي يريد التخلص منها، إلا حال مشاهدتها للحفرة الكبيرة في الأرض أمام منزلها. كانت تلك الحفرة أساساً قد أحدثها انهيارٌ أرضي بسيط في أرضية المخيم، ولمن لا يعرف مخيم برج البراجنة، فهو مقامٌ فوق أرضٍ رملية حمراء، أي إنها أساساً لا تصلح لبناء المنازل وليست قوية كفاية، فلطالما حدثت انهيارات من أنواعٍ كثيرة، لذلك لم يكن أهل المخيم ليعيرون تلك الانهيارات أهميةً كبرى.


لكن جدتي سودة كانت مختلفةً للغاية: كانت مقتنعة بأن الحفرة أو "الجورة" كما تسميها من فعل جدي بهدف التخلّص منها. كانت كلما أرادت المرور أمام الجورة أو حولها تنادي أحداً كي "يساعدها"، مع العلم أن صحتها آنذاك كانت "جيدةً"، وكانت تستطيع العبور، لكنها كانت تصر على طلب المساعدة، وأن نهايتها ستكون في تلك الحفرة.
كانت سودة في أواخر الخمسينيات آنذاك، وكانت مقتنعة كل القناعة بأن جدي يريد التخلص منها ربما ليتزوج بعدها. ورغم كل محاولات الجميع، وأقصد بالجميع ههنا "الجميع" بشكلٍ مطلق: أي الأصدقاء، الصديقات، الأقارب، المعارف وأهل المخيم بجميع أصنافهم، رغم محاولاتهم الحثيثة لإقناع جدتي كي تنزع تلك الفكرة من عقلها، إلا أنها لم تكن لتحيد عنها أبداً. جدتي التي لم تخبر أحداً ما خلف قصة "المرأة" والزواج، وحتى لماذا تشعر بأن جدي يريد "التخلص منها"، بالرغم من أنه لو أراد ذلك، لفعل منذ عقود. ظلت القصة خبيئة في عقل "سودة"، لكنها سرعان ما أسرّت بها إلى صديقتها "بكيزة" التي ما كان منها إلا أن أخبرت الجميع بها! ما كلفها عقاباً من جدتي ومنعاً تاماً من دخول منزلها لأسبوعٍ على الأقل.
كانت منيرة امراة مطلقة تعيش قريباً من منزل جديّ، كان لديها ثلاثة أطفال. جدتي لم تكن تحب منيرة، فهي مقتنعة بأنها من النوع اللعوب، أما منيرة فلم تكن كذلك البتة، كيف كانت جدتي تراها هكذا، لا أحد يعلم. جدي بدوره كان خارج نطاق التغطية في موضوع النساء، كانت سودة هي كل معرفته بالنساء، وجهد كثيراً حتى يتزوجها. لم يكن مزواجاً أو محباً للنساء على عادة غيره من الرجال. طرقت منيرة الباب ذات ليلةٍ ممطرة، طلبت منه دواءً أو شيئاً لأحد أطفالها، سودة التي شاهدت نصف الحدث من وراء شباك غرفتها الذي كان يفصل بين الغرف، لم تعرف ماذا جرى، كل ما عرفته هو حديثٌ بصوتٍ خفيض بين المرأة وجدي. ورغم كل محاولاته لإخبارها بما حدث لم تكن لتقتنع، ولم يكن هناك أي طريقةٍ لإقناعها.
سعت جدتي بكل الوسائل إلى ردم الجورة، ذهبت إلى مسؤول في المخيّم، وعدها خيراً، لكن الخير لم يأتي من جانبه، وبقيت تنتظره شهراً؛ انتظرت شهراً آخر مسؤولاً ثانياً، وانتظرت مسؤول احدى لجان التنظيمات شهراً ثالثاً. شعرت سودة بأن "رحلتها" إلى القبر باتت وشيكة، فهي لم تعد تستطيع الخروج من المنزل دون "مرافق"، ما دامت هذه "الجورة" تحتل نصف الطريق، فهي مقتنعة بأنها إذا ما كانت وحدها فإن جدي سيدفعها إلى الحفرة كي "تموت ويرتاح منها" بحسب قولها. دارت جدتي دورةً كاملة لدى قيادات ومسؤولي المخيم، لكن لم يحدث شيء، لا شيء أبداً.
بعد أشهر قليلة، و"الجورة" التي باتت جزءاً من ثقافة المنطقة، جاء عمي تحت إلحاح جدتي وأقام "جبلة" باطون أمام الحفرة، وردمها بنفسه.
بعد أيام وقفت سودة فوق الحفرة مرددة بفخر متوجهة بكلامٍ إلى جدي بشكلٍ غير مباشر:" ها، ولكو طويلة على رقبتكو أروح هيك تحت التراب، هاي التراب تحت اجري، وباقيتلكو، فاهميني؟ باقيتلكو".