دعم الأمن في مواجهة الإرهاب، خلال الفترة الماضية، أسهم بشكل كبير في تراجع الصحف المصرية الخاصة والقومية على حدّ سواء في عرض وإبراز الانتقادات التي توجّه عادة لرجال الشرطة، باعتبار أن الأخطاء الفردية لا يمكن تحميلها للجهاز الأمني كمنظومة تعمل على مواجهة الإرهاب، ما أسهم في انخفاض سقف الانتقادات بشكل واضح طوال المرحلة الانتقالية التي أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي.

لكن مع وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، عادت الصحف الخاصة إلى تصعيد لغتها ضد الوزارة، خاصة مع تزايد أخطاء الضباط وتحول الجهاز الإعلامي للوزارة ليكون بمثابة «بوق» لتبرير انتهاكات الضباط والمجندين لحقوق الإنسان وعدم الإعلان عن محاسبة أي منهم أمام الرأي العام.

وصعدت الوزارة لغتها ضد الصحف التي زادت من الانتقادات، خاصة صحيفتي «المصري اليوم» و«الدستور»، فقدمت بلاغاً ضد أحد الموضوعات التي نشرتها «المصري اليوم» إلى نيابة أمن الدولة العليا حيث جرى التحقيق مع رئيس تحرير الصحيفة آنذاك علي السيد، إضافة إلى كاتب الخبر، حيث تم إخلاء سبيلهما على ذمة التحقيقات بكفالة قدرها 5 آلاف جنيه (700 دولار تقريباً) فضلاً عن استبعاد الصحافي المكلف بمتابعة الوزارة من الملف الأمني، وطلب الوزير من الصحيفة استبداله بصحافي آخر ومنعه من التعامل مع قيادات الشرطة.
جريدة «الدستور» أفردت يومياً، ولأكثر من أسبوع، عبر صفحاتها ملفات عن انتهاكات ضباط الشرطة بحق المواطنين في المحافظات، مدعّمة بالأدلة والمستندات، بينما بادرت الشرطة إلى القبض على أحد الصحافيين بداعي تورطه في قضايا عنف وصدور أحكام بحقه، لكن الجريدة نفت اتهامات الداخلية للصحافي، مؤكدة أن الوزارة نفسها منحته قبل شهور قليلة ما يفيد بأنه ليس مطلوباً بأي قضايا بعد حصوله على صحيفة الحالة الجنائية، ليقدمها ضمن أوراق تعيينه في الصحيفة.
الردّ الأعنف من الوزارة صدر أمس ببلاغ جديد ضد صحيفة «المصري اليوم» التي نشرت ملفاً طويلاً حمل عنوان «الشرطة شهداء وخطايا.. ثقوب في البدلة الميري» عن انتهاكات الضباط تضمّن رصداً للانتهاكات ومسار التحقيقات التي تمت، إضافة إلى السلبيات التي عادت إلى الجهاز الشرطي من جديد، بعدما كان أحد الأسباب الرئيسية في ثورة «25 يناير».
وقدمت الوزارة البلاغ، متهمة الصحيفة بتصفية الحسابات مع قياداتها، فيما أحال النائب العام البلاغ على المكتب الفني لاتخاذ قرار بشأن ما ورد فيه، بينما أكدت الصحيفة صحة موقفها القانوني بشأن ما ورد في الملف لامتلاكها المستندات والأدلة التي تثبت الحالات المذكورة عبر صفحاتها.
عضو مجلس إدارة نقابة الصحافيين ورئيس لجنة الحريات في النقابة، خالد البلشي، وصف بلاغ وزارة الداخلية بـ«درس في الاستبداد وكيفية مصادرة الجهات التنفيذية حرية الصحافة»، فيما أكدت نقابة الصحافيين أنها ستقف مع الجريدة وتساند الصحافيين حال استدعائهم للمثول أمام جهات التحقيق.
مصدر أمني في وزارة الداخلية قال لـ«الأخبار» إن الأخطاء الفردية للوزارة لا يمكن اعتبارها سياسة عامة، خاصة أن أي جهاز شرطي فيه قلة فاسدة تسيء إلى الشرفاء الموجودين فيه، مؤكداً أن ما حدث من الصحيفة هو تضخيم في الأمر غير مقبول، لكونه مرتبطاً بتصفية حسابات وليس قائماً على أساس مهني.
وأضاف المصدر أن الرسالة التي أراد وزير الداخلية إيصالها إلى رجال الإعلام من خلال البلاغ أمس، هي أن القانون «فوق» الجميع، ولا أحد أكبر من المحاسبة، مشيراً إلى أن النيابة العامة ستقوم بالتحقيق، وستثبت أن التضخيم المتعمّد من الصحفية هو للإساءة إلى الوزارة.