الكارثة التي يعيشها الأطفال المصابون بمرض التلاسيميا (Thalassemia) في الرقّة ليست سوى واحدة من المصائب البعيدة عن مساقط الضوء في الحرب السوريّة. وبعدما تعالَت في الفترة الأخيرة أصوات عدد من الناشطين الموجودين داخل المدينة في محاولة لجذب الانتباه إلى القضيّة، عملت «الأخبار» على متابعة تطورات الملف، لكن مكتب منظمة الصحّة العالميّة في سوريا استجاب لفتح الملف بطريقةٍ رسمت إشارات استفهام كبيرة، وأقل ما توصف به هو اللامبالاة.


فصول المأساة

المرض (المعروف بفقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط) هو مرض وراثي يصيب الأطفال في مراحل عمرهم المبكر، ينجم عن خلل جينيّ، ويسبب فقر الدم المزمن. يُصنف المرض في خانة الأمراض القابلة للعلاج، لكن الإهمال قد يؤدي إلى مضاعفات عدّة، أخطرُها ضعف في المناعة قد يؤدي الى الموت. نداءات الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي حذّرت من أن «مركز معالجة التلاسيميا في الرّقة يلفظ أنفاسه الأخيرة». ووفقاً للناشطين، فإن المركز المذكور يُعتبر الرئيسَ في المنطقة الشرقيّة لمعالجة هذا المرض، وهو مسؤول عن تزويد حوالى 700 طفل بالعلاج بشكل دائم، نصفُهم من أبناء المدينة ونصفهُم من باقي المناطق الشرقيّة، علاوةً على بعض الحالات التي وفدَت إلى محافظة الرقّة حين كانت محافظة آمنة، وشكّلت نقطة استقطاب لآلاف النازحين من مناطق الشمال السوري. كان المركز يُقدّم الخدمات العلاجيّة المعهودة لهذا المرض، وأهمّها: نقل الدم بشكل شهري للحفاظ على خضاب الدم (الهيموغلوبين) في مستوياته الطبيعية، وتقديم الأدوية العلاجيّة، وأجهزة نقل الدم ومضادات الحساسية، وإجراء التحاليل المخبريّة ومراقبة الخضاب ونسبة الحديد لدم الأطفال المرضى...
بدأت ملامح المأساة منذ عام 2013، مع تأزّم الوضع الأمني في المدينة، ودخولها على خط الحرب بقوّة. لكنّ عام 2014 شهد تحوّلاً دراماتيكيّاً في عمل المنظومة الصحّية بالعموم، ووصلت تبعاتُه إلى مركز معالجة التلاسيميا بطبيعة الحال، وخاصةً في ظل حاجة المركز إلى أدويةٍ خاصّة. ووفقاً لناشطي موقع «الرّقّة تُذبح بصمت» فقد «وصلَ عدد الوفيات بين الأطفال المصابين في عام 2014 إلى 42 طفلاً»، موثّقين بالاسم.

«داعش» والمنظّمات: «أخاصمك آه... أسيبك لأ»

بالتواصل مع عددٍ من الناشطين، أكّد هؤلاء لـ«الأخبار» أنّ «المعوقات التي اعترضَت عمل المركز بقيَت في خانة الصعوبات التي يُمكن إيجاد حلولٍ لها، حتّى بعد سيطرة داعش على الرقّة، قبل أن تتغيّر الحال لاحقاً». وفيما كانت الصعوبات تتمثّل أوّل الأمر في انخفاض مخزون الأدوية، ومخاوف عدم وصول كمياتٍ أخرى، تفاقمت لاحقاً إلى انعدام الأدوية، وشبه استحالة استجلابها. وحصل ذلك بـ«التزامن مع تشديد التنظيم قبضته على المدينة، وسنّه قوانين جديدة تُعيق دخول المنظمات الدوليّة».


وصل عدد
الوفيات بين الأطفال المصابين في عام 2014 إلى 42 طفلاً
في الوقت نفسه، قال مصدر طبي محليّ لـ«الأخبار» إنّ «معظم المنظمات العالميّة عادت إلى العمل داخل الرقّة أخيراً». المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه (خشية بطش التنظيم به) أكّد أنّ «العام الحالي شهد عودة عدد من المنظمات الطبيّة والإغاثية، بعد الوصول إلى اتفاقات مع داعش لم يُكشف عن تفاصيلها، باستثناء اشتراط التنظيم أن يكونَ العاملون في مراكز المنظمات من أبناء الرقة المسلمين». المصدر أوضح أنّ «مشكلة مركز التلاسيميا باتت معروفة للجميع داخل المدينة، بما في ذلك العاملون مع منظمة الصّحة»، مضيفاً: «اسألوهم عن الدواء».

برسم منظمة الصحّة العالميّة

مثل كثيرٍ من المنظمات الدوليّة، لمنظمة الصحّة العالميّة مكتب قُطري في دمشق. «الأخبار» تواصلت مع مسؤول الإعلام والتواصل في مكتب المنظمة كريم شُكر بحثاً عن إجابات عما لدينا من أسئلة واستفسارات، فطلبَ إرسال بريد إلكتروني مُفصّل. احتوى البريد المُرسَل على المعلومات المتوافرة، وعدد من الأسئلة («إلى متى استمر العمل بشكل مُنتظم، ومنذ متى توقف إدخال الأدوية؟ وما أسباب التوقف؟ «هل من جُهود تُبذل لمعالجة هذه الكارثة؟ كيف؟ مع من؟ وما نتائجها حتى الآن؟». ودخلنا في طور انتظار إجابات (من المفترص أنها متوافرة في قاعدة بيانات أي مكتب منظمة دولية في بلد يعيش حالة حرب). خلال أحد عشر يوماً تلت إرسال البريد، أجرت «الأخبار» 67 اتصالاً هاتفيّاً بالموظف لمتابعة الموضوع وتذكيره بحساسية الملف، من دون أن نحظى بفرصة التكلم معه في أيّ من المرات. موظفون آخرون (كلهم سوريّو الجنسية) نابوا عنه في الرد على بعض الاتصالات. في الاتصال رقم 68 طلبنا التحدّث إلى ممثلة المنظمة، أو أي مسؤول آخر، لكن «المس إليزابيث (هوف، ممثلة المنظمة في سوريا) حالياً عندها ترابل، والأستاذ كريم مو هون» وفقاً لتعبير إحدى الموظفات. ويبدو أن التلويح بالإشارة إلى عدم تعاون مكتب المنظمة أفلح في التحول إلى سبب جوهري للعثور على «الأستاذ كريم»، الذي تلقف سماعة الهاتف (خلال الاتصال نفسه) ليخبرنا أنّه طلب الإجابات من العاملين مع المنظمة في الرقة، وسيزودنا بها بعد قليل. أما الإجابات التي تلقيناها بعد ساعتين فكانت: «نعم، هناك أزمة. وهناك حالات وفاة بين الأطفال، لا نعلم عددها بالضبط. سنحاول متابعة القضية. إذا أردتم معلومات تفصيلية فانتظرونا أياماً معدودات».
وتجدر الإشارة إلى أنه في اليوم التالي لإرسال الأسئلة إلى مكتب المنظمة، روجت مواقع إلكترونيّة مُعارضة معلومات مفادُها أن «الوضع الصحي في الرقة جيد. ومركز التلاسيميا يتولى التعامل مع المرض». وهو أمر يخالف الواقع، ويخالف ردّ مكتب المنظمة.