غزة | عند الدخول إلى مقبرة الحلفاء، المسماة «مقبرة الإنكليز» في وسط قطاع غزة، يبدو للوهلة الأولى كأنها حديقة أو متنزه يفوق بجماله حدائق القطاع المعدودة. فعلى المساحة الخضراء وبين أشجار الزينة والزهور، يكسو الغزيّون أرض المقبرة بالعشرات: منهم من يستمتع باللون الأخضر والهدوء الذي يعمّها، ومنهم من يلتقط صوراً تذكارية له ولعائلته. أهم من ذلك، أنهم جميعاً يشعرون بالأمان في هذا المكان، لأن المقبرة محميّة بريطانية من المفترض أنها لن تتعرض لأي عدوان أو قصف إسرائيلي.


وفي غزة مقبرتان لجنود الحلفاء الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى أثناء المعارك التي دارت على أرض غزة، ويزيد عمرهما عن 95 عاما، وهما من أقدم المقابر هنا. بالنسبة للناس الذين قد لا يعرفون الكثير عن تاريخ الحرب المذكورة وقتلاها، فإن هذه المقبرة من أجمل الأماكن وأكثرها هدوءاً وسلاماً، حيث قبور المسلمين والمسيحيين واليهود في مكان واحد، كما تتنوع جنسياتهم بين فلسطينيين وإنكليز ومغاربة وهنود مسلمين وهندوس أيضاً.
مدخل المقبرة ممر طويل تكسو جانبيه أشجار الزينة والزيتون، لينتهي بلوحة رخامية مكتوب عليها باللغتين العربية والإنكليزية: «هذه الأرض المقامة عليها هذه المقبرة قد وهبها شعب فلسطين كمثوى أبدي لرجال قوات الحلفاء الذين سقطوا في حرب 1914ــ 1918 ومخلدين فيها». بعد هذه اللوحة، يمكن الوصول إلى المقبرة التي تحتوي على 733 قبراً مرصوصاً بشكل هندسي منتظم، وعلى كل واحد منها شعار الدولة الذي يدل إلى جنسيّة الميت.
وبرغم إصرار الغزيين على تحويل المقبرة إلى مكان للاستجمام، لكن القيّمين عليها يؤكدون أنها ليست متنزهاً وأنها كانت مفتوحة للزوار، ما أدى إلى التساهل مع الناس لدخولها وخصوصاً أن الدخول إليها مجاني لا يحتاج إلى أي تكاليف.
هذه المتعة مثّلت متنفساً للناس في الوقت الذي يعانون فيه وضعا اقتصاديا مترديا من جراء بإغلاق المعابر واحتجاز إسرائيل أموال السلطة الفلسطينية ما نتج منه تقليص رواتب الموظفين إلى 60 في المئة، لا انتهاءً بالحصار المفروض على حركة "حماس" التي تعجز عن دفع رواتب موظفيها.
محمد عواجة يعمل حارسا للمقبرة بقرار من «هيئة الكومنولث»، منذ ما يزيد عن 20 عاماً. هو حاصل على وسام شرف من المملكة المتحدة مقابل أعماله، فهو يقلم باستمرار الحشائش والأشجار ويحرص على زراعة الورود قرب شواهد القبور. يقول لـ«الأخبار» إنه يعد المقبرة جزءاً من حياته، فهو مقيم فيها ويراقبها باستمرار، وبات على دراية بقصة كل مدفون فيها ونوع عمله في قوات الحلفاء، لذا بات يعمل مرشداً لزائري المقبرة.
كما يضيف محمد، فإن أهالي الأموات البريطانيين كانوا يزورون أبناءهم باستمرار، ولكن تغيّر الوضع السياسي في القطاع وأحداث عام 2007 (الانقسام الداخلي) أديا إلى إيقاف هذه الزيارات، فلم يعد أحد يأتي سوى بعض أعضاء «هيئة الكومنولث» الذين يطلعون على أوضاع المقبرة، لكونهم الجهة المسؤولة عنها.
«الحكومة البريطانية توفّر ميزانية كبيرة، وكل ما يلزم، لبقاء المقبرة مكاناً جميلاً»، يقول عواجة، مضيفاً أنه «يملك مشتلاً كبيراً في المكان لزراعة الزهور وتزيين المقبرة واستبدال أي شتلة تفسد أو تموت». أما عن القبور نفسها، فيشير إلى أن «هناك مصنعاً خاصاً في فرنسا مهمته صناعة شواهدها واستبدال ما يتلف منها، ثم إرسالها إلى غزة».
هذه المقبرة إحدى خمس مقابر، أيضا، داخل فلسطين، وفيها دليل على ضراوة المعارك التي خاضها العثمانيون ضد قوات الحلفاء، خلال الحرب العالمية الأولى، وقد انتهت بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين. ودفن في كل المقابر 3029 قتيلاً من الإنكليز والحلفاء، وفق سجلات المقبرة، من مجمل عدد قتلاهم في فلسطين البالغ أكثر من عشرة آلاف.
من الجدير ذكره، أن صحيفة «جويش كرونيكل» اللندنية كانت قد نشرت خبراً، في 2011، يفيد بأن إسرائيل دفعت تعويضاً إلى بريطانيا لترميم الأضرار التي لحقت بإحدى المقبرتين في غزة، وقدرت التعويض آنذاك بـ40 ألف جنيه إسترليني فقط، وهو رقم يمثل نصف المبلغ الذي طالبت به لندن منذ دخول الجانبين في خلافات جرّاء حرب «الرصاص المسكوب» خلال حرب 2008 ــ 2009.