طفل سوري، بعمر اللوز الأخضر، يقف يوم أحد الشعانين أمام باب كنيسة عربيّة في أوروبا منادياً أمه: «ماما، خبّي الشمعة منشان نشعّلا لما تنقطع الكهربا وقت نرجع ع سوريا». عبارة تختصر كمّاً كبيراً من الألم، اختزنته قلوب أطفال سوريا الذين اعتادوا الحرب، وتشرّبوا التقنين، والقلّة، والعوز، والفقر، والخوف، والهجران. في سوريا، اليوم، جمهور من المحاسبين، حشد كامل، شعب كبير من الأطفال الذين عركتهم الحياة قبل الأوان.


بعضهم حُمّل علماً أخضر، وآخرون حمّلهم آباؤهم علماً بنجمتين خضراوين. كثيرون ألبسهم أهلهم زيّاً عسكرياً، وجميعهم اشتروا بنادق بلاستيكية في عيد من الأعياد. قلةٌ نادرةٌ، من الأطفال، جُنّبت جنون السياسة، والتخندق، لكن حتى هؤلاء لم ينجوا من جنون الحرب، وأصوات القصف، والرصاص، والتفجيرات، والتكبيرات، والشتائم اليومية، وطوابير السيارات على الحواجز، والتفتيش، والصراخ، والتهديد. والأسوأ هو أنهم، جميعاً، ألفوا منظر البندقية الآلية، يحملها الكثيرون في الشوارع والأحياء والقرى. لم يعد الأطفال يهرعون لاستقبال هدير الطائرات بالأهزوجة المشهورة (طيارة طارت بالجو...) بل على العكس صار صوتها مثيراً للهلع، فهديرها يعني أن المعارك قريبة، وأن الانفجارات وشيكة. صغيري، الذي لم نشاهد نشرة إخبارية واحدة بوجوده معنا، حاولت إقناعه عندما سمع صوت تبادل الإطلاق المدفعي، لأوّل مرّة، بأنّه صوت رعدٍ ما، فأجاب «من أين يأتي الرعد والسماء صافية؟ إن الصوت قوي، كصوت الصاروخ الذي سقط قرب بيتنا»، وفي يوم آخر عاد مبتهجاً من الروضة لأنه، وأصدقاءه، كانوا يلعبون لعبة الطائرة الحربية، وعندما سألته كيف هو شكلها؟ قال «لا أعرف، نركب في (الدويّخة) و(نقوّص)». ابن صديقي لا يحب النزهات، على عكس كل الأطفال، وإذا ما عرضت عليه نزهة ما، أجابك بلغته الطفولية الموجعة «بخاف يصير انفجار». نادراً ما تجد طفلاً سورياً لا يحفظ المسميّات الحربية، كالقنبلة والرشاش والصاروخ والقذيفة والبرميل والهاون، وحتى السلاح الكيماوي، والسلاح الأبيض. كذلك يحفظون أسماء الفصائل المتناحرة، على تعقيداتها، ويعرفون أنه لا يجدر بهم ذكر هذه الأسماء أمام الغرباء، كي لا يعرّضوا حيوات آبائهم للخطر. يستمتع آباء الجيل القادم، من السوريين، باستعراض مهارات أبنائهم على الهواتف النقالة، والكومبيوترات المحمولة، وقدراتهم على الإبحار في صفحات الإنترنت، ومواقعه، متناسين كل الفخاخ المنصوبة لهؤلاء الأطفال العزّل. يستمتع الآباء بخبرة أبنائهم في الميادين الحربية، والتقنية، والإخبارية، لكنهم لا يعون - على ما أعتقد - حجم المأساة التي تنتظرهم جميعاً. ماذا يقول علم النفس في هذا المضمار؟ كيف سيتعامل أطفال سوريا مع كل هذا؟ الخيارات لديهم محدودة، بعضهم سينتهج الخوف والشك في كل شيء، والبعض الآخر سيعتاد الموت، بل قد يتبنّاه منهجاً وأسلوباً لحياته. ما الذي ينتظره الحالمون بسوريا الغد؟ جيل المستقبل السوري القادم هو جيل مؤطّر، مبدئياً، ضمن تأطيرات الحاضر العبثية، لا بل الغبية، ومؤهل ليكون آلةً للفرز، والتهميش، والإقصاء المناطقي والديني والطائفي والعرقي. أطفال الحاضر السوري، الغراس التي تتغذّى على الألم والجنون والقتل والتخندق، ما الذي سينقذهم؟ لا برامج الحماية الرعوية للمنظمات الإنسانية، ولا الخطابات الرنانة للمسؤولين، من كل الأطراف، ولا حملات التوعية ستكون قادرة على حماية عقول أطفال خاضوا ما خاضوه من تجارب الحرب المريرة. يكفي هؤلاء أن يختزنوا في ذاكراتهم ما كابدوه، وجرّبوه، أو ما سمعوه، لتفعل نار الحرب في قلوبهم فعل الشمس في ثمار اللوز، فتتحول تلك القلوب الغضّة إلى خشب قاس، وكم من الوقت والقوة ستحتاج إليهما تلك القلوب المقسّاة لتُخرج بقيّة حياة فيها، وتُخرج معها شمعةً مخبّأةً من أيام البراءة، لتنير ليالي سوريا، ودروبها المظلمة.