القاهرة | سياسات جديدة تتبعها وزارة الداخلية المصرية والنيابة العامة في محاولة لتحسين صورة الوزارة أمام الرأي العام خلال المرحلة الجارية بعد الانتقادات التي وجهت إلى «الداخلية» بسبب استخدام العنف المفرط في التعامل مع المعارضين، بالإضافة إلى محاولة شغل الرأي العام بقرارات في قضايا مختلفة، لا قضية واحدة، كما كان يحدث في السابق.


وبرغم مرور أكثر من شهر، فإن الوزير الجديد في منصبه، اللواء مجدي عبد الغفار، يعمل بصمت بعيداً عن ملاحقات الكاميرا له، فهو يحاول تحسين صورة الوزارة أمام الإعلام دون أن يظهر في الواجهة. من ذلك أنه منح بعض الضباط في الوزارة فرصة الظهور الإعلامي بالإضافة إلى محاولات التنسيق مع النائب العام، المستشار هشام بركات، لتحسين صورة الأمن في قضايا مخالفات ضباط الشرطة.
ولا تبدو الوزارة جادة في الإصلاح الداخلي حتى الآن، بدلالة استمرار عدد من الضباط في تعذيب المواطنين داخل السجون، كذلك إن طرح خطوط هاتفية لاستقبال شكاوى المواطنين من المعاملات السيئة لرجال الشرطة لا يعني بالضرورة جدية الضباط في التزام معايير حقوق الإنسان في معاملة المشتبه فيهم والمحبوسين على ذمة قضايا سياسية.
أما النيابة العامة التي توجه أصابع الاتهام إلى محققيها بمعاداة جماعة «الإخوان المسلمين» واستهداف أعضائها حتى من غير المتورطين في قضايا العنف التي أعقبت عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي، فهي تسعى أيضاً إلى تحسين صورتها عبر تحركات يشرف عليها بركات، الذي يحاول إظهار أنه يسعى إلى الكشف عن سلبيات «الداخلية»، وذلك بالتفتيش المفاجئ الذي ينفذه وكلاء «النيابة» على السجون ثم يجري إعلان جزء من السلبيات للرأي العام.
هكذا، تحاول «الداخلية» و«النيابة» بالتوافق تحسين الصورة الأمنية أمام الرأي العام وإظهار الحياد عن مؤسسات الدولة، وخاصة مع تكرار التصريحات السياسية التي يصدرها القضاة أو الضباط بدعم الرئيس ونظامه في مواجهة المعارضين. كذلك لا يمكن فصل هذا السياق عن إصدار النائب العام قرارات بإحالة الضابط المتهم بقتل عضو حزب «التحالف الشعبي»، الشابة شيماء الصباغ، إلى المحاكمة مع متهمين آخرين من «الداخلية» حتى من دون النظر إلى صدور قرار بإحالة زملاء الصباغ إلى المحاكمة العاجلة بتهمة خرق قانون التظاهر، وهي محاولة للتحكم في المعادلة السياسية من المنتصف.
وبعد أيام قليلة، تكرر ذلك مع إحالة ضابطي شرطة للمحاكمة الجنائية بتهمة قتل أحد المحامين داخل قسم شرطة المطرية (راجع عدد الأمس)، ولكن ذلك ترافق مع صدور قرار بإحالة 379 متهماً (إخوان) في قضية أحداث اعتصام النهضة التي مر على التحقيقات فيها أكثر من 16 شهراً، وذلك في محاولة لإظهار النيابة العامة كطرف محايد لا يدافع عن ضباط الداخلية المخطئين، وفي الوقت نفسه هو يقتص للضباط الشهداء من المتهمين، على أن ذلك سبب في محاولة شغل الرأي العام بقرارات كثيرة ومتزامنة.
دليل آخر على هذه السياسة الجديدة، يكمن في أن عشرات القضايا والبلاغات من الناشطين والمواطنين ضد ضباط شرطة لا يجري التحقيق فيها، فيما تعتمد «الداخلية» على تقديم تحريات وأدلة ضعيفة في أوراق القضايا التي على الأرحج ستمنح المخطئين من أبنائها إما أحكاماً بالبراءة، وإما أحكاماً مخففة يمكن أن يقضوها في أماكن خاصة بهم داخل السجون. فبعض الضباط المحبوسين في قضايا الرأي العام يحظون عادة بمعاملة خاصة، وهو ما حدث مع المدير الأمن الأسبق في بورسعيد، والمحبوس على ذمة قضية مجزرة استاد بورسعيد، حيث يقضي حبسه داخل «فندق أكاديمية الشرطة» لـ«دواعٍ أمنية»، وهو المكان عينه الذي قضى فيه الضابط المتهم بإصابة شباب الثورة برصاص الخرطوش في أعينهم مدة حبسه قبل أن يعود إلى استئناف عمله في «الداخلية» مجدداً.
كذلك تحتفظ الوزارة لأبنائها المدانين بمميزات تضمن لهم الحماية، بينما يحاول الوزير الجديد المحافظة على تلك الامتيازات على أنه يبدي اهتماماً كبيراً بالمعالجة الإعلامية لسلبيات «الداخلية»، لذلك يسعى إلى تركيز احتجاجه على «نقص الإمكانات المالية لتحسين أوضاع المحبوسين» وليس «التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان»... فهل تنجح استراتيجية عبد الغفار أم سيواجه مصير سابقيه في المنصب؟