اللاذقية | تقليد سنوي قديم يجمع أهل اللاذقية بمختلف طوائفهم في طقس واحد، توارثوه عن آبائهم وأجدادهم. ميعاده يوم الأربعاء الذي يصادف بين أحدَي الشعانين والفصح. الاحتفاء بهذا اليوم يبدأ مع خيوط الفجر الأولى، حيث يذهب أهالي اللاذقية على اختلاف أعمارهم إلى شاطئ البحر ليغتسلوا بمياهه، تيمناً بالنبي «ايوب» حين اغتسل بمياه البحر امتثالاً لأمر ربه، فبرأ من مرضه واستعاد صحته وشبابه. هذا الطقس السنوي لم يتوقف خلال الحرب بل اكتسب بعداً جديداً بوصفه تكريساً لفضيلة الصبر على البلوى والإيمان بالخلاص الآتي.


«الرب ما خيّب أمل النبي أيوب بها اليوم، وشفاه من مرضو، ونحن منؤمن انو ما رح يخيب أملنا نحن كمان، اجينا لنغتسل بالمي المباركة، وندعي لربنا يفرج كربنا، وانشالله بيستجيب»، تقول أم إلياس المصابة بـ «الصدفية» في يديها، التي حرصت على غسلهما بمياه البحر. هي جاءت برفقة جاراتها ومن بينهن أم حسن، التي واظبت على هذا الطقس منذ 20 عاماً. «ها اليوم المبارك هو كمان فرصة للّمة الحلوة، منجتمع كلنا ومنفطر سوا. هاي لمّتنا نحن السوريين يلي ما قدرت الحرب ولا المشاكل تأثر عليها»، وتضيف: «متل ما ايوب صبر، نحن السوريين صبرنا وما يأسنا من رحمة ربنا».
قوارب صغيرة كانت على الشاطئ بانتظار المشاركين بهذا التقليد. عشر دقائق فقط تستغرقها جولة دائرية قصيرة تكلفتها 250 ليرة سورية (حوالى دولار أميركي) للراكب. جولة كافية ليرمي الركاب، على وقع الأمنيات، قطعهم النقدية في المياه. مشهد الغطاسين الذين يحومون بحرّية حيث يرمي الناس قطعهم النقدية ليلتقطوها أثناء سقوطها لا يبدو أنه يزعج أحداً، فهو بدوره جزء حميم من تقليد تآلف معه الأهالي.
أمنيات كثيرة اعتاد هذا الشاطئ أن يكون شاهداً عليها، بينما يمتلئ قاعه بالقطع المعدنية الممهورة بآهات المرضى ورجاءات العشاق والمحزونين. ولعل الحرب وقساوتها، أضافتا قائمة أمنيات جديدة تليق بوجع الحرب وما خلفته من مآس ومرارة. «تمنيت يرجع خطيبي من الحرب، ويرجعلي كامل متل يوم سافر. ما تخيلت انو يجي يوم واتمنى هيك امنية، بس الحرب غيرتنا وغيرت أحلامنا»، تروي لارا وهي تتلمّس خاتم الخطوبة في إصبعها بكثير من الأسى.
«من وقت كنا صغار ونحن بأربعة أيوب مننزل الساعة خمسة الصبح عَ الشط، ما بعرف شو قصة النبي ايوب بس بعرف انو يوم مبارك والناس بيغسلوا ايديهم ورجليهم وبيمسحوا وجوههم بالمي، وبيتمنوا امنيات وبتتحقق»، تقول كاريس التي جاءت بلباس المدرسة هي وصديقاتها. جهل الصبية بخلفية هذا اليوم لا يبدو نشازاً، فثمة كثيرون يشاركون في هذا التقليد من باب الاستمتاع بالجو اللطيف والحالة المبهجة برمتها بغض النظر عن خلفية القصة الدينية. من هؤلاء ايوب الذي يفتخر بأن له اسم صاحب المناسبة، فهو حرص على الحضور إلى الشاطئ منذ الخامسة صباحاً. يقول: «تقريباً كل سنة بشارك انا ورفقاتي. منقضي وقت حلو وبعدين منفطر سوا. يللي بيميّز ها اليوم بالنسبة الي، انو حالة جامعة لكل الناس ومن كل الأديان والطوائف، وهاد شي نادر وبيميز اللاذقية وناسها».