القاهرة | دخل الحديث عن التحرك العسكري البري المصري مرحلة جديدة مع حديث عدة مصادر عن بدء العد العكسي لمثل هذه الخطوة الهادفة إلى مساعدة ما تبقّى من مسلحي الرئيس الفار، عبد ربه منصور هادي، وإقصاء جماعة «أنصار الله» عن المشهد العسكري والسياسي، ضمن العدوان الذي تقوده الرياض. ففي الأيام الماضية يعمل قادة عسكريون على صياغة تقارير حول طبيعة الأراضي اليمنية والدروب الصحراوية والجبال الموجودة فيها، إضافة إلى تلقيهم تقارير استخبارية من الولايات المتحدة تتضمن معلومات عن الأسلحة الثقيلة التي يمكن أن تكون مخبّأة في جبال قرب العاصمة، إضافة إلى نوعية ما تمتلكه «أنصار الله».


وعلم أيضاً أن هيئة الاستطلاع في القوات المسلحة التي تولّت جمع المعلومات ودراستها عملت على تقديمها إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي استمر أكثر من ست ساعات، وهي خطوة لا تعني في مؤشراتها سوى وجود نية لتدخل بري. كل تلك التحركات تزامت مع ضوء أخضر للقوات المسلحة بالاستعداد لعملية برية مهّد لها رئيس الأركان محمود حجازي خلال اجتماع برؤساء أركان الجيوش العربية في الرياض جرى فيه تبادل المعلومات العسكرية وتحديد الدور الذي يفترض أن تقوم به القوات المصرية.

تدريبات في سيناء وتقارير استخبارية... وصبحي في إسلام آباد

وأعقب الاجتماع المذكور اجتماع آخر تنسيقي جمع حجازي ووزير الدفاع صدقي صبحي، مع وزير الدفاع الجيبوتي الذي التقي السيسي خلال زيارته للقاهرة، إضافة إلى سفر صبحي أمس إلى باكستان في زيارة تهدف إلى تنسيق التحركات البرية، إذ من المفترض أن تكون القوات الباكستانية والمصرية الأكثر عدداً في الحرب البرية، مع الأخذ بالاعتبار أن زيارة وزير الدفاع المصري لم تكن معلنة من قبل أو في جدول الرحلات التي كان من المقرر أن ينفذها الوزير خلال الأيام الماضية.
كذلك جاءت زيارة صبحي لباكستان بالتزامن مع إعلان وزير الدفاع في إسلام آباد أن الرياض طلبت رسمياً تدخلاً برياً في اليمن، مع أنه قال إن بلاده لا تزال تسعى إلى الحل السلمي، وهو على ما يبدو امتصاص للتداعيات ريثما يجري الحصول على موافقة من البرلمان الباكستاني للمشاركة في الحرب. وبعد ذلك، حمل صبحي خلاصة النتائج التي قدمتها أجهزة الاستخبارات واستعرضها مع السيسي، على أن يكون قرار التدخل البري «في الوقت المناسب».
ووفقاً لمصادر أمنية برتب مختلفة تحدثت إلى «الأخبار»، فإن فرقاً من العمليات الخاصة المصرية وقوات التدخل السريع تدربت في الدروب الصحراوية في سيناء لتنفيذ مهمات قنص واستهداف لأهداف عسكرية في أراض تشبه الطبيعة الجغرافية للأراضي اليمنية، وخاصة مدينتي عدن وصنعاء. لكن المصادر رفضت كشف تفاصيل التدريبات العسكرية رسمياً، كذلك قالت إنه ليس مخوّلاً لأي أحد الحديث عن ذلك. وعلى الأقل، علم أن التدريبات التي نفذتها قوات من الجيشين الثاني والثالث في سيناء ومدينة السويس استخدمت فيها أسلحة ثقيلة من مدفعية ودبابات، ومع ذلك لم تبلغ القوات رسمياً اعتزام التحرك خارج مصر حتى عصر أمس، وفقاً لضابط شهد تدريبات زملائه.
رغم ما سبق، لا تخفى حالة الاستنفار بين صفوف الجيش خلال المرحلة الحالية، إضافة إلى قرار إلغاء الإجازات للرتب الكبيرة، فضلاً عن التدريبات المكثفة التي لم تكن مدرجة ضمن مخطط التدريبات المعد للعام الجاري، وهو ما لم يربط بالأحداث الجارية في سيناء أو ليبيا أيضاً. كذلك نقلت المصادر أنه صدرت أوامر بتأهيل سريع لدفعة جديدة من المجندين حتى ترابط في المحافظات المصرية مكان بعض الوحدات التي قد يجري الاستعانة بها للتدخل البري في اليمن.
في المقابل، لا يبدو أن هناك توافقاً داخل الجيش على خوض الحرب البرية حتى الآن، وهو ما يدفع الرئاسة إلى تأجيل أي إعلان رسمي عن التحرك البري المرتقب بحجة تأمين مضيق باب المندب الذي ترابط عنده قوات أميركية أساساً، ولكن العزف على هذا الوتر مقصده التبرير للدخول البري، وقد يكون وراء التأجيل أسباب أخرى مرتبطة بالرسائل الإيجابية التي ترسلها «أنصار الله» إلى النظام المصري على لسان متحدثيها، إضافة إلى أنه لا يوجد تهديد فعلي للقاهرة حتى الآن من إبعاد هادي عن السلطة سوى التضامن مع الرياض التي دعمت مصر بمليارات الدولارات خلال العامين الماضيين بعد عزل جماعة «الإخوان المسلمين» عن السلطة.
هذا تحديداً ما دافع عنه السيسي بعد الاجتماع الطويل مع القيادة العسكرية قبل يومين، عندما قال إن القلق لدى الرأي العام لا ينبغي أن يكون في مقابل قرار مصر الدفاع عن «أشقائها»، مضيفاً: «مصر لن تتخلى أبداً عن أشقائها في الخليج، وسنقوم معهم بحمايتهم والدفاع عنهم إذا تطلب الأمر ذلك، وسنقف بجانبهم حتى لو لم يقفوا بجانبنا... لن يستطيع أحد أن يقترب من أشقائنا، بمن فيهم الخليج الذي يعدّ أمنه خطاً أحمر، وجزءاً من الأمن القومي المصري، فأيّ حدّ سيقترب من أشقائنا، سنتصدى له بالقوة».
على جانب آخر، يطلّ شبح الخسائر الكبيرة التي تكبّدها الجيش المصري خلال حرب اليمن الأولى مطلع الستينيات في فحوى كلام بعض السياسيين الذي يحذرون من الانزلاق فيها مجدداً، بل هذه المرة بخسائر أكبر تورط الجيش في تبعات حرب لم يؤهل لها جيداً. وهو أيضاً ما حاول السيسي دحضه بالقول إنه «مع كل التقدير لخلفية تدخلنا فى اليمن في الستينيات، فهذا أمر والواقع الذي نحن فيه أمر مختلف... الأمور تخضع لتقديرات وحسابات دقيقة جداً، وسنتحرك في إطار سياسي حتى نجنب أنفسنا الخسائر».
ولم يفتأ مؤيّدو التدخل القول إن حماية باب المندب الذي يعتبر الشريان الحيوي لقناة السويس هي حماية لأكثر من 10 مليارات دولار جرى استثمارها في القناة خلال عام واحد، فضلا عن صون نتائج مؤتمر شرم الشيخ الأخير.
عموماً، فإن المؤكد أن الرئيس المصري لن يتخذ قرار المشاركة في الحرب من دون مقابل، فالمكاسب الاقتصادية الهائلة التي حققها الرئيس المخلوع، حسني مبارك، من المشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991 نجحت في إنعاش الاقتصاد المصري حتى حين.