مفترق طرق حقيقي تقف أمامه التنظيمات «الجهادية» في سوريا. ورغم أن الحديث عن اعتزام زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري «إحلال الفصائل من البيعة» ليس جديداً، غيرَ أنّ عودة القضية إلى طاولة البحث تجعل تكثيف الضخ الإعلامي في شأنها أشبَه بـ«تهيئة الرأي العام الجهادي» للتعامل مع واقع جديد. وسواء أكان الظواهري عازماً على الإقدام على الخطوة أم لا، فإنّ المستجدّات «التنظيمية» قد تجرّه جرّاً إليها.


ومن المسلّم به أنّ الأخير فقدَ الإجماع على «رمزيّته» بوصفه «زعيماً للجهاد العالمي» منذ تفجّر الخلاف الكبير بين تنظيم «الدولة الإسلامية/ داعش» و«جبهة النصرة»، وتحوّله إلى «حرب أهلية جهادية» مفتوحة. لاحقاً لذلك، أدت «البيعات» المتتالية التي حصل عليها «داعش» وزعيمه أبو بكر البغدادي من جماعات عدّة في شتى أنحاء العالم دوراً إضافيّاً في تقويض رمزية الظواهري. رغم ذلك، تمسّك تيارٌ كبير من «الجهاديين» في سوريا بزعامة الأخير، واعتباره مرجعيّة عليا. كان على رأس هذا التيار زعيم «تنظيم قاعدة الجهاد على أرض الشام ــ جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني، مدفوعاً بعوامل عدّة، أبرزها الحرص على استمرار «النصرة» في استقطاب «المهاجرين (الجهاديين الأجانب)». ورغم أن تيّاراً داخل «النصرة» استمرّ في محاولات الضغط على الجولاني لـ«فك الارتباط»، غير أنّ الأخير أصرّ على التمسك بموقفه. لكن هذا لم يُغلق الباب أمام فكرة «فك الارتباط»، وبدا واضحاً في الفترة الأخيرة أنّ «النصرة» تخضع لضغوط من نوعٍ جديد قد تكون أشدّ فاعلية من سابقاتها، وهي جهود تتعلّق بالتمويل تمارسه بعض الجهات الإقليمية. على المسار ذاته، يؤكد مصدر «جهادي» لـ«الأخبار» أنّ «الشيخ الظواهري يتعرّض لضغوط أكبر للقيام بمبادرة تُخفف عن الإخوة المجاهدين»، لافتاً إلى أنّ «الضغوط تُمارس من داخل البيت القاعدي، ويرى أصحابُها أنّ الشيخ الجولاني موضوع أمام خيارين أحلاهما مُرّ». ووفقاً للمصدر، فإن الجولاني «ما زال مصرّاً على تمسكه بالبيعة، وهو موقف عاطفي في الدرجة الأولى». المصدر المُنتمي إلى التيّار «النصراوي» الراغب في فك الارتباط أكّد وجود «مساع دؤوبة يبذلها حشد من أكابر مشايخ الجهاد لدى الشيخ الظواهري قد تُثمر قيامَه بالخطوة الأولى في هذا الباب، والإقدام على تصرف يُعفيه من المسؤولية الشرعيّة عن توقف داعمي النصرة عن دعمها»، وهو ما قد «يرفع الحرج عن الجولاني، ويُشجعه على إعلان فك الارتباط».

ضغوط ميدانيّة و«تنظيمية»

المستجدات الميدانية و«التنظيمية» يمكن وضعُها في سياق الضغط على الجولاني، ومن ذلك الانتقادات المتزايدة لـ«إصرار البعض على التمسك بالعصبية التنظيمية»، ودأب بعض «الرموز الجهادية» على تأكيد أن «الغاية تسبقُ الراية»، وأنّ «مصلحة الجهاد مُقدّمة على ما سواها». ويبدو أن الجهات الداعمة توزّع ضغوطها ما بين «الترغيب» و«الترهيب»، وكانت «معركة إدلب» الأخيرة مثالاً على «الترغيب»، حيث مُنحت «غرفة عمليات جيش الفتح» دعماً كبيراً، ووُعدت «النصرة» بـ«دعم مماثل في كل المعارك شريطة القتال تحت راية جيش الفتح»، وفقاً لتأكيدات مصادر«جهادية».


«كتائب عبد الله
عزام» بدأت عملها في سوريا قبل انطلاقة العمل المسلح


في هذا السياق أيضاً يصبّ إعلان «كتائب عبد الله عزّام» عدم تبعيّتها لـ«القاعدة»، وهو أمر أعلنه أمس الشيخ سراج الدين زريقات، في سلسلة «تغريدات» على صفحته في موقع «تويتر». زريقات أكّد أنّ «كتائب عبد الله عزام تنظيم مستقل لا يتبع أي جماعة أخرى. وليست تابعة لجماعة قاعدة الجهاد ولا لغيرها». وأكّد أن «ذلك ينطبق على جميع السرايا العاملة في لبنان وسوريا وفلسطين». كذلك أوضح أن «جميع هذه السرايا تتبع مباشرة لقيادة الكتائب في بلاد الشام»، وقد «كان هذا بعد استشارة قيادات المجاهدين وعلى رأسهم الشيخ العالم حسن قائد أبي يحيى الليبي (الرجل الثاني في القاعدة منذ عام 2005 وحتى وفاته عام 2014)».
اللافت أنّ زريقات كشف عن أنّ «كتائب عبد الله عزام (...) بدأت عملها في سوريا قبل انطلاقة العمل المسلح. فيسّر الله للكتائب بناء المعسكرات وجلب الكوادر، التي عملت ضمن الفصائل ولم تنفرد بالإعلان، بل كانت تنسب بعض أعمالها إلى الفصائل السورية». وبهذا تنضم «عبد الله عزّام» إلى «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» التي سبق لزعيمها السابق حسان عبّود (أبو عبد الله الحموي) أن أكّد خلال مقابلة له مع قناة «الجزيرة» القطرية أنها «سبقت في نشأتها الجيش الحر، حيث تمّ تشكيلها في أيار عام 2011».

خطوات مماثلة قريبة؟

المصدر «الجهادي» بارك «توضيحات الشيخ زريقات»، وتوقّع أن «تحذو مجموعات أخرى حذوه قريباً». ما يُمكن اعتباره وسيلة ضغط جديدة على الجولاني، وتشجيع له على الرضوخ لـ«فك الارتباط»، منعاً لبقاء «النصرة» منفردة بحمل وزر «القاعدة». فعلى الرغم من ارتباط كثير من المجموعات في سوريا بالتنظيم، غير أن معظمها تجنّب إعلان ذلك رسميّاً. وسيكون لقيامها مجدداً بتأكيد «عدم ارتباطها» دور في ترك «النصرة» وحيدة في هذا المضمار، إلى جانب مجموعات تعتبر أساساً جزءاً منها، مثل «جند الأقصى». كل ذلك، علاوة على لعبة «العصا والجزرة» التي يمارسُها الداعمون، مضافاً إلى مبادرة من الظواهري (في حال إقدامه عليها) قد تشكل عوامل كافية لخروج الجولاني و«جبهته» من عباءة «القاعدة» (نظريّاً بطبيعة الحال). لكنّه، قد يدفعه أيضاً إلى القيام بردّ فعل معاكس تماماً، هو الرضوخ لتيار ما زال مستمرّاً في الخفاء في محاولات إقناعه بفتح صفحة جديدة مع «داعش». خطوة وإن كان احتمال حدوثها ضئيلاً، غيرَ أن عودة جماعات مرتبطة بـ«النصرة» إلى حضن «داعش» تبدو واردة كرد فعل على «فك الارتباط» حال حدوثه، وربما كانت مُجريات مخيم اليرموك أخيراً وتعاون الطرفين دليلاً على أن «لا مستحيلات في القاموس الجهادي».