فيما يتابع «أنصار الله» والجيش تقدّمهم جنوباً في مدينة عدن التي تم تحرير غالبيتها، بدأ الخطاب الرسمي المرافق للعدوان السعودي يثير ضرورة إيجاد «قيادة عسكرية على الأرض موالية للشرعية» المتمثلة برأيه بالرئيس الفارّ عبد ربه منصور هادي، في ظل معلومات دبلوماسية تكشف عن اقتراح سعودي على دول التحالف، ينصّ على تنفيذ إنزال جوي وبحري في عدن بعد تدمير البنية العسكرية للجيش اليمني. وفي وقت برزت فيه بصورة أكبر المساعي الدبلوماسية القائمة لوضع حدٍّ للعمليات العسكرية، أهمها توجه مبعوث إيراني إلى سلطنة عُمان التي غادرها المبعوث الدولي جمال بن عمر اليمن إلى نيويورك، كان لافتاً لجوء الآلة الدعائية العربية والغربية المواكبة للعدوان إلى التركيز على «مواجهات عدن ومناطق الجنوب».


وكشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الأخبار» أن السخونة العسكرية ستتركز من الآن فصاعداً في جنوب اليمن، موضحةً أن السعودية وضعت بالتعاون مع الأميركيين ودول عربية أخرى، خططاً لتحقيق نتائج على الأرض.
وأكدت المصادر أن برنامج العدوان السعودي على اليمن يركز الآن بدعم اميركي كامل، على تدمير كامل البنى التحتية للجيش اليمني، مشيرةً إلى أن القرار بإنهاء هذا الجيش وإعادة بناء جيش جديد في اليمن يمثل هدفاً رئيسياً عند الجانبين السعودي والأميركي.
وقالت المصادر إن السعوديين يسرعون في الاتصالات من أجل الخطوات العسكرية المقبلة، بعدما لمسوا نجاح الحوثيين في تحقيق تقدم كبير جنوباً، وبعدما تبين أن الموالين للرئيس الفارّ لا يملكون القوة الشعبية ولا العسكرية الكافية لتحقيق حد أدنى من التوازن. وقد تلقّت غرفة العمليات الخاصة بالعدوان مساء أمس، تقارير عن اقتراب مقاتلي «أنصار الله» إلى عشرات الأمتار من قصر المعاشيق الذي كان يشغله هادي قبل فراره إلى السعودية.
وبينما تعطلت كل الاتصالات السياسية، ولم يجرِ التعامل بجدية مع المبادرة الجزائرية، قالت المصادر إن الأمر يعود إلى أن النقاش الذي رافق انعقاد القمة العربية في شرم الشيخ، لم يصل إلى خلاصات تتعلق بالخطوات العسكرية. وهي خطوات تلحّ السعودية على إنجازها.


عُقدت مصالحة بين هادي وحميد الأحمر وقيادات إصلاحية في الرياض أمس

وكشفت المصادر، أن السعودية تقدّمت باقتراح مع هادي، بأن يدعم العرب الذين وافقوا على الدخول في القوة المشتركة، مشروع إقامة منطقة آمنة في عدن، وأن يصار إلى تحقيق الأمر من خلال عملية عسكرية واسعة وخاطفة تقوم من جهتي البحر والجو، وأن يصار الى الاستيلاء على عدن، وإعلانها منطقة عازلة تخضع لحماية القوة العربية المشتركة، حيث يصار إلى اعادة هادي لإدارة رئاسته من هناك، وتشكيل حكومة مؤقتة.
وبحسب المقترح نفسه، فإن الخطوة التي تلي ذلك، هي تجميع مقاتلين من المؤيدين لهادي وآخرين من قوى في الجنوب ضمن قوة عسكرية جديدة يطلقون عليها اسم «الجيش اليمني الجديد»، لتبدأ هذه الأخيرة «حرب تحرير البلاد»، وذلك بمعاونة القوة العربية المشتركة، على أن يترافق ذلك مع الإسراع في تدريب وتسليح عشرات الألوف من اليمنيين الجنوبيين.
وبحسب المصادر، إن العائق لم يكن عربياً فقط هذه المرة، ذلك أن الجانب الأميركي تدخل رافضاً تسليح الجنوبيين، وداعياً إلى عدم تكرار تجربة سوريا، وسط مخاوف من أن يكون أفراد «القاعدة» في الجنوب هم الذين يمسكون بهذا الجيش. علماً بأن الأميركيين كما بقية الدول العربية طلبوا من الاستخبارات السعودية ومن هادي نفسه، تقديم تفسيرات وتوضيحات عن سبب انهيار مجموعات «القاعدة» في جنوب اليمن ووسطها وشرقها، خصوصاً أنها مجموعات لم تهرب أمام ضربات الأميركيين وضربات الجيش اليمني، سواء تحت سلطة هادي أو سلفه علي عبد الله صالح.
وقالت المصادر إن السعوديين لفتوا انتباه بقية الشركاء العرب والأجانب، إلى أنه في حال تعذُّر تحقيق الهدف الأول، فسوف تكون الرياض مضطرة إلى الموافقة على مشروع تشكيل حكومة منفى يكون مقرها الرياض. وهي باشرت لهذه الغاية اتصالات مع عدد من زعماء القبائل وشخصيات سياسية وقيادات من الجنوب من أجل تنظيم «مؤتمر يمني جنوبي» في الرياض. وبعض هذه الشخصيات كان قد جيء بها في الأسبوع الأخير لإقامة هادي في عدن. وكشفت المصادر أن أعضاء في فريق هادي إلى القمة العربية أكدوا إنفاق نحو عشرة ملايين دولار لتنظيم «لقاءات الصورة والمبايعة» التي شملت عدداً قليلاً من اليمنيين الجنوبيين.
لكن الذي حصل أن بعض قيادات الجنوب، اشترطت لحضور المؤتمر التعهد مسبقاً بإعلان الانفصال بين الجنوب والشمال، وأن تكون عدن مقراً مؤقتاً يستضيف هادي إلى حين عودته إلى صنعاء. وبحسب المصادر، إن الأميركيين، كما السعوديون، لم يقدموا مثل هذا التعهد، وهم يضغطون الآن لعقد مؤتمر يمني شمالي – جنوبي في الرياض، من أجل إطلاق عملية سياسية تكون خطوتها الأولى إنشاء هيئة وطنية من 70 شخصية تمثل جميع القوى المشاركة في المؤتمر، لتتولي هي تشكيل حكومة منفى تعمل مع هادي من خارج اليمن.
وما يعزّز نية تشكيل جيش جديد في اليمن، تلميح المتحدث العسكري باسم التحالف، أحمد العسيري، يوم أمس، إلى أن العمل جارٍ على إيجاد قيادة عسكرية «موالية للشرعية»، تتولى عملية إعادة تنظيم صفوف الجيش، مناشداً أفراد الجيش عدم التعاون مع ميليشيات الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وجماعة «أنصار الله» والعودة للالتفاف حول «قادتهم المؤيدين للشرعية».
من جهته، وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، أكد أن مشكلة اليمن الرئيسية ليست المقاتلين الحوثيين الذين سيطروا على معظم البلاد ولكن علي عبد الله صالح، إذ إن «قواته أفضل تدريباً وتسليحاً». وأضاف، من مكان إقامته في السعودية، إن «النقطة المهمة الآن هي أنه إذا توقفت قوات علي عبد الله صالح عن القتال معهم فأعتقد أنهم (الحوثيين) سيبدأون في التراجع». وتابع ياسين أنه «بالنسبة إلى الرئيس صالح وعائلته يجب ألا يكون لهم دور. هذه الآن هي النهاية بالنسبة إليهم بعد ما فعلوه بشعبنا وبلادنا». وأضاف أن «الحوثيين الشيعة المتحالفين مع إيران يمكنهم المشاركة في أي حوار بمجرد أن يعودوا إلى معقلهم الشمالي حول صعدة ويسلموا أسلحتهم ويتحولوا إلى حزب سياسي محض».
في السياق، وردت أنباء يوم أمس، عن لقاء مصالحة عُقد في الرياض، بين القيادي في حزب «الإصلاح» (الإخوان المسلمون) حميد الأحمر، وهادي، بحضور اللواء الفارّ علي محسن، وقيادات من حزب «الإصلاح»، برعاية سعودية. وكان هؤلاء قد فرّوا في 21 أيلول الماضي، تاريخ سيطرة «أنصار الله» على صنعاء، إلى الرياض، ما يوحي بسعي سعودي إلى «لم شمل» خصوم الحوثيين وتجاوز الخلافات القديمة في ما بينهم، خلال المرحلة الراهنة والمقبلة.
وفي إطار الجهود الدبلوماسية الرامية لإيجاد حلٍّ سياسي، توجه وكيل وزارة الخارجية الايرانية، مرتضى سرمدي، يوم أمس، إلى مسقط، فيما طلب مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، من الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أن يبذل كل ما في وسعه لوقف الضربات الجوية على اليمن على الفور.
في هذا الوقت، ارتكبت الطائرات السعودية مجزرة جديدة في مصنع للألبان في مدينة الحُديدة (غرب)، أدت إلى مقتل 25 عاملاً على الأقل، بحسب مصادر طبية. وتواصل القصف المكثف على مناطق صنعاء وصعدة وتعز والحديدة وحجة وعمران، كذلك استهدف العدوان الجوي السعودي مخيم اللاجئين في المزرق (في حجة) للمرة الرابعة خلال هذا الاسبوع، مستهدفةً أمس مستشفى بالقرب من مخيم «الكويت». وحلقت طائرات العدوان السعودي فوق سماء مدينة عمران مساء امس للمرة الرابعة دون ان تقصف أي موقع عسكري او مدني مكتفية بالتحليق.
(الأخبار، الأناضول، رويترز، أ ف ب)