بدا أمس أنّ ضابط إيقاع خفياً قد ضبط خطاب «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة» وحلفائه على نغمة هادئة. انعكَس ذلك في مظاهر عدّة، على رأسها الكلمة المُسجلة التي بُثّت لزعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني، وحملت عنوان «نصرٌ من الله وفتحٌ قريب». الجولاني حرص خلال الكلمة على الظهور بمظهر «الزعيم الجامع». تجلّى ذلك في توجيه خطابه إلى «جنود الإسلام»، و«معشر المسلمين».


وفيما تكرّر ذكر «جيش الفتح» مرّات عدّة في الكلمة (وهي غرفة العمليات التي تضم النصرة وعدداً من حلفائها، والتي سيطرت أخيراً على إدلب)، اقتصر ورود اسم «النصرة» على مرّة واحدة جاءت أشبه برسالة طمأنة لحلفائها، قال الجولاني فيها: «إننا كجبهة النصرة نؤكد عدم حرصنا على حكم المدينة أو الاستئثار به دون غيرنا». وأكّد في الوقت نفسه العزم على أن تُحكم مدينة إدلب بـ«شرع الله» وتُبسط فيها «الشورى». وعلى النهج نفسه، حرص زعيم «النصرة» على توجيه رسائل طمأنة إلى من بقي من سكّان إدلب فيها، فوعد بأنهم «لن يجدوا إلا حسن الخلق وطيب المعشر، وسينعمون بعدل شريعة الله». كذلك وجّه بـ«ضرورة الحفاظ على الممتلكات والخدمات والمرافق العامة (...) ودعوة الموظفين للعودة إلى أعمالهم في القطاعات الخدمية». وأكّد ضرورة «الاستفادة من الكوادر الموجودة في المدينة»، علاوة على جملة من التوجيهات والنصائح مثل «الإسراع إلى إنشاء محكمة شرعية»، و«تشكيل لجنة إشراف من قبل الفصائل» للنظر في أحوال أهل إدلب وتلبية احتياجاتهم، بما «يعينهم على أداء واجبهم ومحاسبتهم إذا ما قصروا». الجملة الأخيرة تبدو بمثابة نافذة مفتوحة على خلق مبرّرات لأي إجراءات تُتّخذ لاحقاً في المدينة. إذ أثبتت التجارب السابقة أن «المحاكم الشرعية» و«محاسبة المقصرين» و«تطبيق الحدود» ما فتئت وسائل «الجهاديين» الأساسية تُحكم قبضتهم على المناطق التي يبسطون السيطرة عليها متى استقام لهم الأمر بعد كسب ود «الحاضنة الشعبيّة» بالخطاب اللين.
وغير بعيد عن ذلك، ترك الجولاني نوافذ شبيهة تُمكن الإفادة منها حالَ حدوث خلاف مع أيّ من الحلفاء الحاليين، ومنها تأكيده أنّ «النصر وعزّ الإسلام لن يعود على أيدي القتلة المجرمين، كما ولن يعود على أيدي عملاء الغرب الذين ما فتئوا يطعوننا بظهورنا ليحظوا برضا الأميركان». ويجدر التذكير بأنّ هذه العبارات توجز الأسباب التي دأبت «النصرة» على إعلانها لدى مقاتلة أيّ من المجموعات المسلحة، كما كانت الحال مع «حركة حزم»، و«جبهة ثوار سوريا». وبدا لافتاً في هذا السياق أنّ تحذير الجولاني من «سوء الخُلق» انصبّ على تصرفات بعينها، فقال: «إن للحرب أخلاقاً (...) الحرب لا تبيح شيئاً من سيئ الأخلاق كالكذب والغدر والخيانة». وأشار إلى خلافات «جبهته» مع مجموعات أخرى في مناطق جنوب دمشق بطريقة تُشرّع إعلان الحرب على أي مجموعة تدعو إلى المصالحات في أي زمان ومكان «وإن أناساً نفث الشيطان في مناخرهم وأخذتهم وساوس المصالحات». وأظهر الجولاني حرصاً على تماسك «جيش الفتح»، داعياً «الفصائل ألّا ينفض جمعهم»، وإلى الاستعداد لخوض معارك «فض الحصار عن دمشق وريفها وحمص وحلب».

«أحرار الشام» تعتذر

وبطريقة تصبّ في سياق «التلطّف» ذاته، اعتذرت «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» أمس من أحد الكوادر الطبيّة في بلدة معرتمصرين (ريف إدلب الشمالي). وكانت «إدارة مشفى الشهيد محمد بظ» في البلدة قد أعلنت «تعليق أعمال المشفى (...) حتى إشعار آخر». وأوضحت الإدارة أن السبب هو «اعتداء عناصر» من «أحرار الشام» على كادر المشفى. لاحقاً لذلك، نشرت مواقع معارضة أن «قائد القطاع الشمالي لحركة أحرار الشام في ريف إدلب زار مدير المشفى المعتدى عليه»، و«قدّم اعتذاره، ووعد بمحاسبة» المعتدين.

... والمحيسني «يتلطّف»

بدوره، «غرّد» الشيخ السعودي عبد الله المحيسني (أحد شرعيي «جيش الفتح») متلطفاً مع «أهل الشام». وقال إنّ «بعض الأحبة لامني بخصوص تصريحي عن الإتلاف (الائتلاف المعارض) معللاً لومه بأن ذلك ينبغي أن يصدر من أهل البلد مراعاة لطباع الناس». وأتبع ذلك بتغريدات أخرى قال فيها: «جئنا لأهل للشام مناصرين لهم على دفع عدونا وعدوهم، بل ونتشرف بخدمتهم». و«نحرص على عدم التصدر إلا في حال الضرورة كأن يتم الاختيار توافقياً من الفصائل». ولم يمنع ذلك من استمرار المحيسني في انتقاد «الائتلاف» الذي «جمع باسم الشعب السوري المليارات، ولم يقدم طلقة واحدة لتحرير إدلب»، كذلك حرص على السخرية منه، مكرراً وصفه بـ«الإتلاف».
وكان المحيسني قد رفض في تغريدة سابقة (بعد السيطرة على ادلب) دخول «الائتلاف» إلى المدينة لإدارتها وجعلها مقرّاً له، مضيفاً أنه «دخل إدلب رجال سالت دماؤهم على ثراها وسيحكمونها بشرع الله ويديرون أمورها هكذا عاهدوا الله».