منذ اللحظات الأولى لسقوط إدلب في يد مقاتلي «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة» يوم السبت الماضي، أعلن معظم الإعلام الغربي (الأميركي والبريطاني والفرنسي) أن «القاعدة» سيطرت على المدينة. إدلب لم «تتحرّر» بنظر غالبية هؤلاء الصحافيين، وما من «ثوّار معتدلين» فيها، بل «باتت بيد مقاتلي «النصرة» ــ التابعة للقاعدة ــ وحلفائها من القوى الإسلامية الأخرى». اعترف الجميع بأن ذلك «نصر مهم» نظراً إلى «استراتيجية المدينة» ولأهمية تسجيل تقدّم «طال انتظاره» على الجيش السوري.


لكن، وقع الحدث لم يكن له الصدى المعتاد لدى المؤسسات الإعلامية الكبرى، إذ لم تسجّل حالات «هلع إعلامي» من تحقيق «القاعدة» انتصاراً ميدانياً في محافظة سورية استراتيجية. حتى الإعلام الأميركي نقل الخبر من دون "تهويل"، وحاول بعض الصحافيين التركيز فقط على أن ذلك يعدّ «الإنجاز البارز الثاني لـ«المتمرّدين»، بعد الرقّة». لم تخرج افتتاحية واحدة تهوّل من «خطر سيطرة النصرة على جزء كبير من الشمال السوري» ولم يُكتب تعليق يطالب، كما درجت العادة، بـ«تدخّل عاجل لوقف تقدّم القاعدة».
لكن الواقع الميداني بدأ يفرض نفسه، ببطء، على بعض التقارير والتحليلات ومعه الاعتراف بخطورة سقوط إدلب بيد «النصرة».
ريتشارد سبانسر في «ذي دايلي تلغراف» البريطانية أعلنها مباشرة أمس: «بات للقاعدة عاصمة جديدة»، هي إدلب. «بينما تضعف قيادات التنظيم وتختبئ ــ على الأرجح على الحدود الأفغانية الباكستانية ــ يسيطر أتباعه في سوريا على محافظة بأكملها وعلى المدينة الأساسية فيها»، قال سبنسر في بداية مقاله، متابعاً بأن «ذلك يعني أنه بات للأجنحة المتزاحمة في الجهاد مركزان متنافسان: إدلب في الشمال الغربي والرقة في الشمال الشرقي لسوريا».


ذكّر قليلون بارتكابات «النصرة» وبجرائمها بحق المدنيين في إدلب
«الأمر لا يدحض فقط فكرة انتصار الرئيس بشار الأسد ونظامه في الحرب الأهلية، بل يتعدّاه لينسف ما اعتقدته الولايات المتحدة وحلفاؤها أنه هزيمة للجهاد المسلّح من خلال دحره في العراق وقتل أسامة بن لادن»، يشرح سبنسر.
فكرة اخرى تبنّاها مقال «تلغراف» وصحافيون بريطانيون وأميركيون، تشير الى أن سيطرة «النصرة» على إدلب حققت «انتصاراً معنوياً للقاعدة»، بعد أن بهتت صورته مقابل التقدّم البارز والسريع الذي حققه «داعش» في مناطق مختلفة واستراتيجية في سوريا والعراق وبعد أن سطع نجم الأخير فبات قِبلة المقاتلين والممولين من أنحاء العالم. وفي هذا الإطار أشارت إيريكا سولومون في صحيفة «ذي فاينانشل تايمز» البريطانية إلى أن «عدداً من المقاتلين الذين لجأوا الى تركيا بعد أن كانوا قد فقدوا الأمل، عادوا لينضمّوا مجدداً الى النصرة متأثرين بأحداث إدلب». سولومون تتابع بأن «هذا الانتصار سيعيد إلى النصرة شعبيتها في صفوف السوريين المعارضين للأسد».
لكن مقال «فاينانشل تايمز» ينقل عن بعض «المراقبين» خشيتهم من أن يكون لدى «النصرة» نيّة في خلق إمارتها الجهادية في سوريا لمنافسة «داعش». ويشير إلى زيادة كبيرة في تدفّق السلاح للتنظيم إضافة الى استيلائه على مخازن الجيش السوري وما تركوه وراءهم في إدلب.
وهنا أشارت «تايمز» الى حصول «النصرة» على صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدبابات أيضاً «التي كانت بحوزة الوحدات المدعومة من واشنطن بعد أن أخرجتها (النصرة) من إدلب». سولومون أشارت أيضاً الى الفكرة التي تتحدّث عن «إمكانية استمالة «النصرة» للمشاركة في تحالف ضد «داعش» رغم معاداة المجموعات المدعومة من الولايات المتحدة له، الا أن تركيا وقطر والسعودية تسعى إلى إبعاده عن شبكة الجهاد العالمية». لكن الردّ يأتي سريعاً في المقال ذاته من أحد «عناصر النصرة» ليقول إن التنظيم «سيظلّ مع القاعدة حتى تتوحد القوات المتمردة الأخرى في قوة واحدة».
وفيما لا يزال البعض يسأل: «هل ستقوي عودة النصرة التمرّد السوري ضد بشار الأسد أو ستضعفه؟»، ذكّر قليلون بارتكابات «النصرة» وبجرائمها بحق المدنيين في المناطق التي سيطرت عليها تباعاً في محافظة إدلب.