إغلاق كبرى شركات الصرافة، في سوريا، كـ"العالمية والجاجة وبعض مكاتب الهرم وبيكو والشعّار"، أضعف ثقة الكثير من المواطنين بشركات الصرافة. شكك كثر بنزاهة القائمين على هذه الشركات خلال الأزمة، وجعل أصوات المنادين بإغلاقها كلياً تتعالى تدريجاً. فسعر صرف الليرة السورية، أمام الدولار، تراجع إلى مستويات قياسية، بلغت 250 ليرة لكل دولار. وزاد من سوء الوضع تدني القدرة الشرائية لليرة بمعدل 75 %، حسب تصريحات صادرة عن رئيس جمعية حماية المستهلك، عدنان دخاخني.


وبين مؤيد ومعارض لاستمرار عملها، يجمع المحللون الماليون على إدانة بعض شركات الصرافة، ودورها الفاضح في تأجيج سعر الصرف، ومساهمتها، إلى حد كبير، في إشعال المضاربات على العملات في الأسواق المحلية، وتهريب القطع الأجنبي إلى خارج الحدود. لكن المحللين أنفسهم لا يغفلون الدور الإيجابي لشركات أخرى في التخفيف من وطأة العقوبات المفروضة على سوريا، مستخدمة نفوذها وعلاقاتها الخارجية، بعد فرض حظر التعامل مع المصارف الحكومية السورية. ومن هذا المنطلق، يرى معاون رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتور قيس خضر "أن إخراج شركات الصرافة من سوق العمل سيكون قراراً خاطئاً. فاتهامها بالمشاركة في اختلالات سعر الصرف هو تجاوز يحتاج إلى التوقف عنده، لأن الجهات المصرفية والصيرفية الخاصة، لديها مرونة في التعامل مع المؤسسات المالية في الخارج. وفي ظلّ الظروف الحالية، قد يكون من المستحيل إيجاد بديل منها".
وعليه، فليس من خيار أمام مصرف سوريا المركزي، كما يرى خضر في حديثه إلى "الأخبار"، سوى "إعادة تقييم أداء كل شركة صرافة على حدة، وتصويب بوصلة اهتمامها في إطار المهمات المنوطة بها، كوسيط مالي حقيقي بين "المركزي" والمواطنين، وحلقة نزيهة في إجراء التحويلات من الخارج إلى الداخل وبالعكس، وعبر المراقبة الحثيثة والدائمة لأدائها حتى تمكينها من أخذ مكانها الطبيعي، وعندئذ لن يكون هناك حاجة لإغلاقها".
يتفق أستاذ المصارف في جامعة دمشق، الدكتور علي كنعان، مع خضر، معارضاً بشدة دعوات البعض التي تطالب بإغلاق شركات الصرافة. ويوضح لـ"الأخبار" أن هناك "شركات معينة قامت بدور بارز في استقرار سعر الصرف، وتنفيذ سياسات المركزي في تلبية احتياجات المواطنين وتمويل الواردات، وإيصال تحويلات خارجية إلى مستحقيها، هم في حالة عوز وحاجة. وتعد هذه الحوالات التي تصلهم من أقارب يعملون خارج حدود البلاد دخلاً مهماً جداً، بعدما فقد عدد لا يستهان به من المواطنين أعمالهم في الداخل". لذلك، ووفقاً لقاعدة لا تزر وازرة وزر أخرى، فالأفضل "الاستمرار بملاحقة المخالفين لنظام العمل، ومحاربة شركات الصرافة والصرافين المتلاعبين بسعر صرف الليرة السورية".


قوائم المخالفين لشروط تمويل المستوردات ضمّت أسماء كثيرة، بينها شركات تجارية كبيرة


شركات الصرافة، بدورها عارضت تعميم ما أشيع من تجاوزات على القطاع بأكمله. وأكد إبراهيم رجب، مدير مكتب الفؤاد للصرافة، أن بعض القائمين على فروع مؤسسات مالية، وليس الغالبية، خالفوا القوانين وساهموا إلى حد ما في عدم استقرار سعر الصرف. ويوضح لـ"الأخبار" أن شركات الصرافة عامة كان لها دور في تنفيذ سياسات "المركزي" في تعزيز آليات السوق، من حيث الطلب والعرض، وتلبية احتياجات المواطنين العاديين والتاجر المستورد من القطع الأجنبي، وبالتالي وكما هو ملاحظ، والكلام لرجب: "إن دعوات إلى إغلاق شركات الصرافة أطلقها خبراء بالاقتصاد والمال، شخصيات بعيدة كل البعد عما قدمته شركات الصرافة من خدمات للاقتصاد الوطني، والمتعاملين".
إلا أن المفاجأة التي كشف عنها أخيراً مصرف سوريا المركزي، كانت مدوية. فقوائم المخالفين لشروط تمويل المستوردات ضمّت أسماء كثيرة، بينها شركات تجارية كبيرة، وكبار المستوردين أصحاب السطوة في الأسواق، ممن حصلوا على تمويل من شركات الصرافة ولم يستوردوا السلع المشمولة بعمليات التمويل، الأمر الذي جعل بعض القائمين على مكاتب صيرفة يتخوفون من اتهامات قد تلاحقهم مستقبلاً. إلا أن رجل الأعمال باسل الحموي، عبّر عن دهشته لعدم ملاحقة الجهات المختصة للتجار، أو ذكر الشركات المتواطئة معهم (على حد تعبير المركزي) وذلك طيلة الفترة التي حصلوا فيها على القطع. كما أنهم استنفدوا المدة القانونية الواجب خلالها تقديم البيان الجمركي الذي يثبت إدخالهم السلع المستوردة والمحددة ضمن التعليمات الناظمة للتمويل. وتساءل الحموي: "لماذا لم تتخذ بحقهم الإجراءات القانونية اللازمة؟" مشيراً إلى أن غرفة التجارة لديها معلومات عن الأسماء الواردة ضمن القوائم، إذ ان "المركزي" أطلق عليهم تسمية تجار، إلا أن غرفة تجارة دمشق نفت أن يكون أحد الأسماء الواردة في القوائم منتسباً إلى غرفة التجارة، فليس من الضروري أن يكون الحاصل على سجل تجاري عضواً منتسباً إلى الغرفة!
ومنذ بداية الأزمة السورية، قامت الجهات الأمنية، بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي، بحملة أمنية على شركات ومؤسسات الصرافة المتهمة بالمضاربة على سعر صرف الليرة، وتقوم بعمليات بيع وشراء للقطع الأجنبي بطرق غير نظامية. وبحسب بيانات سابقة لوزارة الداخلية، فإنّ شركة صرافة اتهمت بعمليات بيع غير شرعية، بمبالغ تقدر بملايين اليورو والدولارات، والقيام بتحويلات، غير قانونية، إلى الخارج، وفتح حسابات وأرصدة مشبوهة، فيما تمت معاقبة شركات بإغلاقها لأشهر معدودة، بسبب استغلالها للمهجرين، وبيعها العملات الأجنبية بناء على بطاقات شخصية وأسماء وهمية. وأغلقت الحكومة شركة للصرافة باللاذقية، لقيامها بتخزين العملات والمضاربة على سعر صرف الليرة.